مصر - وكالة أنباء إخباري
الذكاء الاصطناعي يبحث عن الشيء الكبير القادم في الفيزياء: هل يحل ألغاز الكون؟
تواجه فيزياء الجسيمات، المجال الذي يسعى لفهم القوى الأساسية والمكونات الأساسية للكون، تحديًا كبيرًا. فبعد عقود من الاكتشافات الرائدة التي أدت إلى بناء النموذج القياسي للجسيمات، يشعر العديد من العلماء بأنهم وصلوا إلى طريق مسدود تقريبًا. لقد تم اكتشاف معظم الجسيمات الأساسية المعروفة وتحديد خصائصها، وأصبح من الصعب بشكل متزايد العثور على أدلة جديدة تشير إلى وجود فيزياء تتجاوز ما هو معروف حاليًا. هذه الحالة، التي يصفها البعض بأنها "أزمة"، تدفع الباحثين إلى استكشاف أدوات وتقنيات جديدة، وأبرزها الذكاء الاصطناعي (AI)، للمساعدة في تجاوز هذه العقبة.
تاريخيًا، كان التقدم في فيزياء الجسيمات مدفوعًا بشكل كبير بتطوير أدوات وأجهزة استكشاف أكثر تطورًا. من غرف السحب البدائية التي استخدمها علماء مثل كارل د. أندرسون في أوائل القرن العشرين لاكتشاف المادة المضادة (البوزيترون) والجسيمات الأولية الأخرى مثل الميون، إلى المصادمات العملاقة مثل مصادم الهادرونات الكبير (LHC) في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (CERN)، كانت القدرة على رؤية ما هو غير مرئي أو قياس ما هو غير ملموس هي المفتاح. لقد كشف مصادم الهادرونات الكبير، وهو أكبر وأقوى مسرع جسيمات في العالم، عن جسيم هيغز في عام 2012، وهو اكتشاف أكد النموذج القياسي وأكمل قائمته من الجسيمات الأساسية. ومع ذلك، فإن تشغيل المصادم في دورته التشغيلية الثالثة منذ عام 2022 لم يسفر حتى الآن عن اكتشافات جذرية تشير إلى وجود جسيمات أو قوى جديدة.
اقرأ أيضاً
- وزير التموين يبحث مع الاتحاد العام للغرف التجارية والشعبة العامة للمخابز تطوير منظومة الخبز ودعم استقرار قطاع المخابز
- عماد النحاس يكشف كواليس فوز المصري على سموحة في انطلاقة الدوري الممتاز
- بابلو فرانكو يكشف كواليس اقترابه من تدريب الزمالك ويحدد شرطه لتدريب الأهلي وبيراميدز
- الأجهزة الأمنية تضبط قائدي سيارات ارتكبا مخالفات مرورية خطرة في سوهاج والبحيرة
- نائب برلماني: الصكوك الضريبية مؤشر على يأس الدولة في تأمين مواردها
إن "الأزمة" التي يتحدث عنها العلماء لا تعني توقف البحث، بل تشير إلى تباطؤ وتيرة الاكتشافات الثورية. لقد أصبحت "الثمار المتدلية" في فيزياء الجسيمات نادرة. نحن نفهم إلى حد كبير اللبنات الأساسية للمادة، والنموذج القياسي، الذي تم تطويره بشكل كبير منذ سبعينيات القرن الماضي، يصف هذه اللبنات بدقة مذهلة. لكن هذا النموذج، على الرغم من نجاحه، لديه عيوب معروفة؛ فهو لا يفسر الظواهر الهامة مثل المادة المظلمة والطاقة المظلمة، ولا يدمج الجاذبية بشكل كامل مع القوى الأساسية الأخرى، ولا يشرح لماذا تمتلك الجسيمات كتلًا مختلفة. هذه الثغرات تشير بقوة إلى وجود فيزياء جديدة، لكن العثور عليها أصبح تحديًا هائلاً.
وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي. مع تزايد حجم وتعقيد البيانات التي تنتجها التجارب الحديثة، مثل تلك التي تجرى في مصادم الهادرونات الكبير، يصبح من المستحيل تقريبًا على المحللين البشريين معالجة كل شيء. يقوم العلماء بتدريب نماذج التعلم الآلي، وهي فرع من الذكاء الاصطناعي، على اكتشاف الأنماط الدقيقة أو النادرة في هذه البيانات. هذه الأنماط قد تكون مؤشرات على جسيمات جديدة، أو ظواهر غير متوقعة، أو حتى انحرافات عن تنبؤات النموذج القياسي. يمكن لخوارزميات التعلم الآلي تحليل ملايين الأحداث في ثوانٍ، والبحث عن شذوذات قد تفوتها العين البشرية أو الطرق التقليدية.
يستخدم الباحثون بالفعل التعلم الآلي في العديد من جوانب تجارب فيزياء الجسيمات. على سبيل المثال، يتم استخدامه في عملية "الفلترة" لتحديد الأحداث المثيرة للاهتمام من بين الكم الهائل من البيانات "الضوضائية". كما يتم استخدامه في بناء نماذج دقيقة للتنبؤ بنتائج التجارب، وفي تصنيف الجسيمات بناءً على مساراتها في أجهزة الكشف، وحتى في المساعدة في تصميم المسرعات والأجهزة المستقبلية. إن القدرة على التعرف على الأنماط المعقدة في البيانات تسمح للعلماء بالبحث عن إشارات ضعيفة قد تكون دليلاً على فيزياء جديدة، مثل الجسيمات فائقة التناظر (superpartners) التي تتنبأ بها بعض النظريات.
لكن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لا يخلو من التحديات. يجب تدريب هذه النماذج بعناية فائقة، وغالبًا ما يتطلب ذلك بيانات "مُعلَّمة" (labeled data) من عمليات المحاكاة أو التجارب السابقة. هناك أيضًا خطر "التحيز" في النماذج، حيث قد تتعلم الخوارزميات البحث عن أنماط معينة بناءً على افتراضات مسبقة، مما قد يؤدي إلى تجاهل اكتشافات غير متوقعة تمامًا. بالإضافة إلى ذلك، فإن فهم "لماذا" تتخذ نماذج التعلم الآلي قرارات معينة (مشكلة "الصندوق الأسود") لا يزال مجالًا نشطًا للبحث، وهو أمر بالغ الأهمية في العلم حيث الشفافية والقدرة على تفسير النتائج أمر أساسي.
على الرغم من هذه التحديات، فإن الأمل كبير. يعتقد العديد من الفيزيائيين أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تحليلية، بل قد يكون شريكًا في الاكتشاف. من خلال تمكينهم من استكشاف البيانات بشكل أعمق وأسرع، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تسريع وتيرة البحث عن "الشيء الكبير القادم" – سواء كان ذلك جسيمًا جديدًا، أو قوة غير مكتشفة، أو حتى ثقبًا في فهمنا للكون يكشف عن طبيعة المادة المظلمة أو أصل الكون. إن رحلة استكشاف أسرار الكون مستمرة، ويبدو أن الذكاء الاصطناعي يلعب دورًا متزايد الأهمية في هذه المغامرة العلمية.