إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
35° القاهرة

الناتو غائب: ترامب يفكك الغرب في حربه على إيران

الولايات المتحدة تشن هجوماً على إيران بالتحالف مع إسرائيل، م
استمع للخبر عبد الفتاح يوسف 2026-03-13 05:11 7
الناتو غائب: ترامب يفكك الغرب في حربه على إيران

الشرق الأوسط - وكالة أنباء إخباري

الناتو غائب: ترامب يفكك الغرب في حربه على إيران

تشن الولايات المتحدة حالياً حرباً على إيران، لكنها تفعل ذلك بالتحالف مع إسرائيل، وبشكل لافت للنظر، دون أي مشاركة أوروبية مباشرة. هذه الديناميكية تمثل تحولاً جذرياً عن العقود الماضية، حيث كانت التدخلات العسكرية الكبرى، سواء بقيادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) أو بمشاركة فردية من الدول الأوروبية، سمة أساسية للسياسة الخارجية الأمريكية. من البلقان إلى أفغانستان، ومن العراق إلى ليبيا، وصولاً إلى التحالف ضد تنظيم "الدولة الإسلامية"، كانت أوروبا شريكاً، وإن كان أحياناً متردداً، في هذه العمليات.

إن التغير في هذا المشهد يتجلى بوضوح في موقف بريطانيا، الدولة التي طالما افتخرت بـ"علاقتها الخاصة" مع الولايات المتحدة. ففي عام 2003، شاركت بريطانيا في الحرب العراقية المثيرة للجدل. لكن في السياق الحالي، ورغم علاقاتها الوثيقة، رفضت الحكومة البريطانية في البداية منح الولايات المتحدة حق استخدام قواعدها لشن هجمات على إيران. وفي حين وافق رئيس الوزراء لاحقاً على ذلك، إلا أن هذا التحرك لا يغير الصورة العامة: أمريكا تخوض حرباً أخرى في منطقة الشرق الأوسط الحيوية، هذه المرة مع إسرائيل، متجاهلةً أوروبا، وفي جوارها المباشر.

يحاول البعض التقليل من أهمية هذا الانقسام، مجادلين بأن الخلاف حول استخدام القواعد الأمريكية في أوروبا يظهر أن حتى الرئيس ترامب يحتاج إلى حلفائه. كما يشيرون إلى طلب الرئيس ترامب المساعدة من أوكرانيا، التي تعامل معها بفتور، في الدفاع ضد الطائرات بدون طيار في الخليج. لكن هذه التأويلات تبدو مجرد محاولة لتجميل الواقع. لقد بدأ ترامب هذه الحرب دون استشارة أي طرف أوروبي، ويبدو أن أمريكا قادرة على خوضها بمعزل عن أوروبا. لقد تحقق ما كان متوقعاً: شعار "أمريكا أولاً" يترجم عملياً إلى "أمريكا وحدها"، على الأقل فيما يتعلق بالعلاقات عبر الأطلسي. لم يعد هناك مشروع غربي مشترك، خاصةً مشروع مؤسس على القانون الدولي.

هذا الوضع يخلق مفارقة، حيث تجد بعض الدول الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا، نفسها تحاول حماية شركائها في المنطقة من تداعيات هجوم أمريكي محتمل. كما يمنح هذا التصعيد دفعة للرئيس الروسي بوتين، الذي يواجه ضغوطاً في أوكرانيا، وذلك من خلال ارتفاع أسعار النفط الذي يعزز ميزانية بلاده. بالإضافة إلى ذلك، فإن خطر تدفق اللاجئين إلى أوروبا يزداد بشكل كبير، كما علمتنا الحروب الأخيرة في العالم الإسلامي. على الجانب الآخر، يتمثل المكسب الجيوسياسي المحتمل في إمكانية تقليص التهديد الذي يشكله البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، وهو تهديد ذو أهمية كبيرة لأوروبا أيضاً.

لكن، عند تقييم هذه العوامل، من الصعب تخيل أن أي دولة أوروبية كانت ستختار التدخل العسكري في إيران. إن آخر ما تحتاجه أوروبا حالياً هو ضخ أموال في الاقتصاد الروسي، أو مواجهة خطر اندلاع حرب أهلية جديدة في جوارها. صحيح أن ترامب قد يكون مدفوعاً بغروره ورغبات نتنياهو، لكن هذا الحدث يعكس أيضاً واقعاً استراتيجياً قاسياً: مصالح أمريكا وأوروبا لم تعد متطابقة، لا في الشرق الأوسط ولا في أوروبا.

قد يُحتج بأن المصالح لم تكن متطابقة أبداً. وهذا صحيح تاريخياً، لكن حتى خلال الحرب الباردة، كانت الخلافات بين ضفتي الأطلسي تدور حول الوسائل أكثر من الأهداف. كان الهدف واضحاً: احتواء الاتحاد السوفيتي. اليوم، يغيب مثل هذا الهدف المشترك الكبير؛ فالرئيس ترامب يبدو أكثر ميلاً لعقد صفقات مع روسيا بوتين. ورغم تراجع حدة الجهادية، إلا أنها لا تزال تشكل تهديداً لأمريكا وأوروبا، لكن هذا التهديد لم يعد كافياً لتنشيط الحلف الأطلسي.

لقد طُرح السؤال حول ما الذي يربط حلف الناتو معاً حتى بعد الحرب الباردة، وقبل وقت طويل من ظهور ترامب. حاول البعض الإجابة عليه ثقافياً، بتعريف التحالف الغربي كمجتمع للديمقراطيات الليبرالية التي تدافع عن قيمها عند الضرورة خارج نطاق المنطقة الأوروبية الأطلسية. لكن هذا الأساس نفسه قد انهار الآن. فأمريكا ترامب تقف أيديولوجياً إلى اليمين بشكل واضح مقارنة بأوروبا، على الرغم من وجود اتجاهات يمينية شعبوية قوية في أوروبا أيضاً. عندما يصبح من الصعب الاتفاق على قضايا مثل حرية التعبير، أو قضايا النوع الاجتماعي، أو التركيبة الاجتماعية، يصبح من الصعب الدفاع عن هذه القيم بشكل مشترك.

في عهد بايدن، كان هناك تفكير في أوروبا لخلق هدف جديد للعلاقات عبر الأطلسي في آسيا. كانت المحاولات المحدودة للانخراط عسكرياً هناك تهدف إلى إظهار للأمريكيين أن أوروبا مستعدة لدعمهم في احتواء الصين، مهما كان ذلك يعني في حالة نشوب حرب حول تايوان. لكن ترامب لا يهتم بذلك بقدر اهتمامه بموقف أوروبا من القضية الإيرانية. يجب أن نكون صريحين هنا أيضاً: يمكن لأوروبا أن تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة في آسيا، وخاصة الاقتصادية، لكن الناتو لا يمكنه إنقاذها هناك.

يشير الرئيس الأمريكي إلى خطة لإنهاء الحرب الإيرانية، مدعياً أن الجيش الأمريكي يتقدم على الجدول الزمني. ومع ذلك، فإن رسالته تحمل تناقضات. كما أن اليمين الشعبوي الأوروبي منقسم بشأن الحرب الإيرانية؛ قلة قليلة تؤيدها صراحة، لكنها لا ترغب في انتقاد ترامب. وتتصرف الدول الأوروبية وكأنها مجرد مراقبة للحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل، لكنها ستتحمل العواقب إذا انهار إيران.

# حرب إيران # ترامب # الناتو # أوروبا # إسرائيل # أمريكا أولاً # علاقات عبر الأطلسي # جيوسياسية # الشرق الأوسط # بوتين # لاجئين # قيم ليبرالية