بيروت - وكالة أنباء إخباري
لطالما شكلت الأغاني الوطنية والثورية ركيزة أساسية في الوعي الجمعي العربي، محفزةً الشعور بالانتماء ومناصرة القضايا القومية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. ففي زمن مضى، كانت أعمال فنانين بحجم مارسيل خليفة، التي استلهمت من أشعار الشاعر الراحل محمود درويش، منارة فنية جمعت بين الإبداع والكفاح، وحققت انتشاراً واسعاً من المحيط إلى الخليج، لتصبح مساحة تعبئة ثقافية تعبر عن بطولات الثوار وتصدح بصوت الاحتجاجات والتظاهرات.
تراجع الحضور الفني في ظل الأزمات الراهنة
غير أن هذا الحضور البهي للأغنية الوطنية بدأ يتلاشى تدريجياً مع تبدل السياقات السياسية والاجتماعية. فبالرغم من استمرار الأزمات المستفحلة، لا سيما في فلسطين ولبنان، تبدو الساحة الفنية خالية إلى حد كبير من الأعمال الثورية الجديدة. فبعد عملية "طوفان الأقصى" والعمليات العسكرية على غزة، لم يصدر سوى عدد محدود من الأعمال الغنائية التضامنية، مثل أغنية "غصن الزيتون" للمصري أحمد سعد، و"فكّروا فينا" لزياد برجي، و"جايين فلسطين" لعاصي الحلاني. حتى مارسيل خليفة، أيقونة الأغنية الوطنية، اكتفى بإصدار معزوفة موسيقية تضامنية مع غزة عبر حساباته على وسائل التواصل، دون أن تحظى بالانتشار المعهود.
اقرأ أيضاً
- المستشار الدبلوماسي الإماراتي أنور قرقاش يحذر من تأثير منصات التواصل الاجتماعي على صناعة القرار
- تركيا تدين بشدة الهجمات على السعودية وتثمن جهود الرياض لتهدئة التوترات الإقليمية
- قمة بريكس تشدد على رفض العقوبات الأحادية وتدعو لإصلاح النظام العالمي
- إدانات عربية ودولية متصاعدة لاستهداف السعودية وسط تصعيد إقليمي
- تحولات جيوسياسية كبرى: صراعات إقليمية وتصاعد نفوذ بريكس
أسباب العزوف وتغير المزاج العام
إن تراجع الأغنية الوطنية ليس وليد اللحظة، بل هو ظاهرة بدأت ملامحها تظهر منذ أكثر من عقد، حيث تراجع الإقبال الجماهيري عليها بشكل ملحوظ. أصبحت الأعمال القليلة التي تُنتج عرضة للإهمال والنسيان، مما دفع العديد من الفنانين إلى العزوف عن إنتاج هذا النوع من الأغنيات. ويعزى ذلك إلى غياب إجماع شعبي حول القضايا الوطنية وتحول في المزاج العام، فلم يعد الفن الثوري يجد البيئة الخصبة التي احتضنته في السابق.
رؤية نقدية: الفن والثورة في سياقهما التاريخي
يشير الناقد الفني جميل ضاهر إلى أن صعود التيارات اليسارية في العالم العربي كان مصحوباً بمشروع ثقافي وفكري متكامل، أعاد تعريف دور الفن ليصبح أداة وعي ومقاومة لا مجرد ترف. هذه المرحلة أفرزت أسماء لامعة مثل الشيخ إمام، وزياد الرحباني، ومارسيل خليفة، وخالد الهبر، وأحمد قعبور، إلى جانب شعراء كبار أمثال محمود درويش وسميح القاسم ومظفر النواب، فضلاً عن تجارب جماعية كـ "فرقة الطريق" و"ناس الغيوان". ما جمع هؤلاء لم يكن الانتماء الحزبي فحسب، بل التأثر العميق بموجة الفكر الثوري العالمي، حيث كان الفن جزءاً لا يتجزأ من مشروع التغيير، وكانت الأغنية والقصيدة تنبعان من قلب المعاناة وتتوجهان إلى جمهور يجد نفسه فيهما.
تحديات الأجيال الجديدة وغياب المشروع الفكري
بحسب ضاهر، حاولت أجيال جديدة استكمال هذا المسار أو تطويره، لكن السياق تغير جذرياً مع تراجع الحلم الجماعي واختلاف علاقة الفنان بالجمهور. من المفارقات أن بعض هذه المحاولات جاءت من فئات أكثر انفتاحاً على الثقافة الغربية، لكنها عجزت عن إنتاج خطاب فني أصيل، واكتفت بإعادة أداء أعمال الجيل السابق، في اعتراف ضمني بصعوبة تجاوز تلك المرحلة. يختتم ضاهر بأن الإشكالية ليست في الموهبة، بل في السياق وغياب المشروع الفكري والاجتماعي الحاضن للفن الثوري، متسائلاً عما إذا كانت تلك المرحلة استثناءً تاريخياً تلاقت فيه السياسة مع الثقافة وأنتجت هذا الأثر العميق.
تحولات المزاج الفني في الأحداث الأخيرة
تراجع الاهتمام بالأغاني الثورية يعكس تبدلاً واضحاً في المزاج الفني. فخلال ثورة 17 أكتوبر في لبنان، استخدمت أغانٍ غير تقليدية للتعبير عن الرفض، مثل أغنية فضل شاكر "فاكر يعني"، وديو سعد لمجرد ومحمد رمضان "إنساي"، وصعود أغنية "كاراميلا سيكسي ليدي". في المقابل، استُحضرت أعمال قديمة مثل "بحبك يا لبنان" وأغاني مارسيل خليفة وجوليا بطرس "بنرفض نحنا نموت"، بينما غابت الإصدارات الفنية الجديدة المرتبطة بالثورة، خشية الاصطدام بالانتماءات السياسية. الفنانة إليسا كانت استثناءً بأغنية "أنا عم ثور"، لكنها لم تحقق صدى واسعاً.
أما انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس 2020، فقد دفع الفنانين إلى إصدار موجة واسعة من الأغاني "البكائية" التضامنية مع بيروت، من بينها أعمال ليارا وغسان الرحباني ورامي عياش وفضل شاكر وعاصي الحلاني والشاب خالد وناصيف زيتون وغيرهم. غير أن هذه الأعمال، التي وصلت إلى حد "التخمة"، اتسمت بطابع عاطفي بحت ولم ترق إلى مستوى الأغنية الثورية التي تحمل مشروعاً فكرياً أو تحشيدياً، مما يؤكد الفجوة المتزايدة بين الفن والقضايا المصيرية في المشهد العربي الراهن.
أخبار ذات صلة
- كندا ترد على ترامب: لافتة جديدة تؤكد هوية "بحيرة أونتاريو"
- نيبال: فيديو مؤثر يوثق إنقاذ طفلة من تحت الأنقاض بعد الفيضانات المدمرة
- الحدود النيبالية الصينية: انهيارات أرضية وفيضانات كارثية تخلف مئات الضحايا وآلاف المفقودين
- أمريكا تضخ 85 مليون دولار لمنظمة دولية في أفريقيا الوسطى: صفقة هجرة أم دعم إنساني؟
- نيبال: عمليات إنقاذ درامية ومئات العمال في عداد المفقودين إثر فيضانات عارمة