القاهرة - وكالة أنباء إخباري
تركيا تقود تعزيزات الناتو في الجنوب وتتطلع لدور أكبر في البحر الأسود
في ظل مناخ دولي يتسم بالمتغيرات المتسارعة والشكوك المحيطة بمستقبل التحالفات الأمنية الكبرى، تتجه تركيا بخطوات مدروسة لتعزيز مكانتها ودورها المحوري داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو). تتزامن هذه التحركات مع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي ألقت بظلال من القلق حول التزام الولايات المتحدة، الشريك الأكبر للحلف، تجاهه، مما دفع أنقرة إلى استغلال هذه الظروف لترسيخ نفوذها.
تتضمن الخطط التركية لتعزيز أمن الجناح الجنوبي للناتو، وهو قطاع حيوي تتشارك فيه أنقرة الحدود مع مناطق متقلبة، إنشاء مركز قيادة متعدد الجنسيات لقوات الحلف البرية في مدينة أضنة جنوب تركيا. يأتي هذا الموقع استراتيجياً بالقرب من قاعدة إنجرليك الجوية الحيوية، ويضم مقراً للفيلق السادس بالجيش التركي، والذي سيتولى أحد جنرالاته قيادة المركز الجديد. وقد بدأ العمل على تأسيس هذا المركز منذ عام 2023، مما يعكس رؤية طويلة الأمد لتركيا لتعزيز قدرات الحلف على المستوى الميداني.
اقرأ أيضاً
- رئيس فنلندا يبرر ضربات أوكرانيا لمستودعات Wildberries.. وروسيا ترد بمقارنات تاريخية
- ميدفيديف يدعو لتعزيز الوقاية الصحية: الفحوصات الطبية ركيزة أساسية في عقود العمل الروسية
- بريطانيا تعلن تضرر ناقلة نفط قبالة سواحل عمان: الطاقم آمن
- وفاة رئيس شركة الطاقة الروسية الأسبق فيدور فيدوتوف بعد صراع مع السرطان
- الجبهة الشعبية الروسية تحذر من مخاطر شراء السيارات الأوروبية عبر الوسطاء
لا تقتصر الطموحات التركية على البعد البري، بل تمتد لتشمل تعزيز الوجود البحري. تعمل أنقرة حالياً على إنشاء قيادة بحرية جديدة، مدعومة بقوة مهام مشتركة مخصصة لعمليات البحر الأسود. وتؤكد مصادر عسكرية تركية أن أنقرة ستكون في طليعة تنسيق القوات البرية التابعة للناتو وقيادة العمليات في مياه البحر الأسود، وهو ما سيمنحها دوراً قيادياً في إدارة أي أزمات محتملة في هذه المنطقة الاستراتيجية.
التزام تركي باتفاقية مونترو وتأكيد على سيادة المضائق
في تأكيد على التزامها بالاتفاقيات الدولية، أكدت وزارة الدفاع التركية أن إنشاء قيادة العمليات البحرية في البحر الأسود لن يتعارض بأي شكل من الأشكال مع اتفاقية مونترو لعام 1936. تظل هذه الاتفاقية هي المنظم الأساسي لحركة السفن عبر مضيقي البوسفور والدردنيل، وتشدد أنقرة على أنها لن تسمح بأي انحراف عن المبادئ التي تحكم عبور هذه الممرات المائية الحيوية.
أزمة هوية الناتو في مواجهة سياسات ترامب
انضمت تركيا إلى حلف الناتو في 18 فبراير 1952، بعد ثلاث سنوات من تأسيس الحلف في 4 أبريل 1949، وهو التاريخ نفسه الذي انضمت فيه جارتها اليونان. ومع الاحتفال بالذكرى الـ77 لتأسيسه، يواجه الناتو تحديات مزدوجة؛ فهو لا يواجه اختباراً أمنياً تقليدياً فحسب، بل يعاني أيضاً من أزمة هوية عميقة. لا تنبع هذه الأزمة من تهديدات خارجية كبرى مثل روسيا أو الصين، بل تتجذر في التغير الملموس في نهج الولايات المتحدة، الدولة المؤسسة والمحرك الأساسي للحلف.
يرى العديد من المحللين أن النهج التصادمي للرئيس ترامب، الذي يستند إلى شعار "أمريكا أولاً"، يقوض ليس فقط الأسس الاستراتيجية للناتو، بل يمس أيضاً بروحه النفسية ومعنويات أعضائه. وكشف المحلل السياسي التركي، محمد أوغوتشو، أن العملية العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة، بالتعاون مع إسرائيل، ضد إيران، قد كشفت بوضوح عن خلل في آليات عمل الناتو. ففي حين توقعت أمريكا دعماً غير مشروط من حلفائها، أعلنت أوروبا أن العملية لم تكن تابعة للحلف، مستندة إلى أن المادة الخامسة من ميثاقه، التي تُلزم الأعضاء بالدفاع المشترك، لا تُفعّل إلا في حالة وقوع هجوم مباشر على أحد الأعضاء.
يكمن جوهر الأزمة الراهنة في النظرة المتباينة للحلف. فبينما تنظر واشنطن غالباً إلى الناتو كـ"آلية دعم تلقائية" لسياساتها، تعتبره أوروبا منصة أساسية للدفاع الجماعي والتشاور السياسي. وقد أبدت القيادات الأوروبية استياءها لعدم اتخاذ قرارات الحرب على إيران بالتشاور المسبق مع الحلفاء.
الاعتماد الأمريكي وقيود القدرات الأوروبية
يعتمد الناتو بشكل كبير على القدرات العسكرية والتكنولوجية والاستراتيجية للولايات المتحدة. يتجاوز إجمالي الإنفاق الدفاعي للحلف 1.3 تريليون دولار سنوياً، وتغطي الولايات المتحدة نحو 65% من هذا المبلغ، وهو ما لا يقتصر على المساهمة المالية فحسب، بل يشمل أيضاً التفوق العملياتي والتكنولوجي. وفي الوقت الحالي، لا يمكن لأوروبا أن تحل محل أمريكا في العديد من المجالات الحيوية، مثل الاستخبارات، وأنظمة الأقمار الصناعية، والنقل الاستراتيجي، والتزود بالوقود جواً، بالإضافة إلى الردع النووي وأنظمة الأسلحة المتقدمة. كما أن قيادة هياكل الناتو في أوروبا يسيطر عليها جنرالات أمريكيون، مما يؤكد أن الحلف، رغم طابعه متعدد الجنسيات، يعمل تحت القيادة العسكرية الأمريكية.
تركيا: فرصة ومخاطرة في مشهد الناتو المتغير
لفت أوغوتشو إلى أنه على الرغم من النظريات التي ترددت حول عدم ضرورة الناتو بعد انتهاء الحرب الباردة، فإن التاريخ أثبت عكس ذلك. فالتهديدات الجديدة المتزايدة تزيد من أهمية الحلف، ومع ذلك، يرى أنه سيتعين عليه إعادة تعريف نفسه أو المخاطرة بفقدان فاعليته تدريجياً. لا يقتصر الأمر على سياسات ترامب فحسب، بل يشمل أيضاً التغيرات الجذرية في موازين القوى العالمية وتنوع التهديدات وانهيار الافتراضات الاستراتيجية القديمة.
يشكل هذا الوضع الحالي فرصة ومخاطرة في آن واحد بالنسبة لتركيا. فالقمة المرتقبة للناتو في أنقرة في يوليو المقبل لم تعد مجرد اجتماع عادي، بل قد تشكل نقطة تحول استراتيجية للحلف ولتركيا نفسها. يرى المحللون أن التواصل المباشر بين الرئيس ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان يمنح أنقرة قدرة كبيرة على الوساطة، مما يجعلها من بين الجهات الفاعلة القليلة القادرة على تخفيف حدة أزمة الثقة بين الولايات المتحدة وأوروبا. كما تتمتع تركيا بخبرة واسعة في إدارة المخاطر على الجناح الجنوبي للناتو.
في المقابل، لا يزال هناك تيار قوي داخل تركيا مناهض لاستمرار عضوية البلاد في الناتو والاحتفاظ بقواعد عسكرية أجنبية على أراضيها. تجلى هذا التيار في مسيرات نظمتها أحزاب وجمعيات ونقابات عمالية يسارية في مدن تركية كبرى مثل أنقرة وإسطنبول وإزمير، وكذلك بالقرب من قواعد الناتو مثل قاعدة كورجيك للرادارات في مالاطيا وقاعدة إنجرليك في أضنة. طالبت هذه المسيرات بانسحاب تركيا من الحلف وإغلاق القواعد الأجنبية.
وتزامنت هذه التحركات مع الذكرى السنوية لتأسيس الحلف، حيث توجهت مسيرة إلى مبنى السفارة الأمريكية في أنقرة، رافعين شعارات تطالب بـ "إغلاق القواعد العسكرية الأجنبية، والانسحاب من الناتو، وإنهاء التعاون مع الهياكل الإمبريالية". وقد أعلنت 27 منظمة وجمعية يسارية عن تشكيل اتحاد مناهض لقمة الناتو المقبلة في أنقرة.
أخبار ذات صلة
- أنغامي تتجاوز حدود البث الموسيقي لترسم مستقبل الإبداع العربي
- أنغامي تتجاوز حدود البث الموسيقي لترسم مستقبل الإبداع العربي
- الجنيه المصري في مهب التراجعات.. البنك المركزي يتبنى سعر صرف مرن ويطلق شهادات بعائد قياسي
- الجنيه المصري في مهب التراجعات.. البنك المركزي يتبنى سعر صرف مرن ويطلق شهادات بعائد قياسي
- هدنة مفاجئة: ترامب يوافق على وقف إطلاق النار مع إيران بوساطة باكستانية ورهن فتح مضيق هرمز