بولندا - وكالة أنباء إخباري
رئيس بولندا يعرقل مليارات الاتحاد الأوروبي المخصصة لبلاده
أقدم الرئيس البولندي، كارول ناوروتسكي، على خطوة مفاجئة وصادمة للعلاقات بين وارسو وبروكسل، حيث استخدم حق النقض (الفيتو) ضد قانون كان من شأنه تأمين مليارات اليورو لبلاده ضمن برنامج تسلح أوروبي موحد. هذا القرار الرئاسي لا يمثل مجرد عقبة بيروقراطية، بل يعكس انقساماً سياسياً عميقاً داخل بولندا نفسها، ويضع حكومة رئيس الوزراء دونالد توسك في مواجهة مباشرة مع الرئيس، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على استراتيجية الدفاع الأوروبية ومكانة بولندا داخل الاتحاد.
جاء قرار الرئيس ناوروتسكي، الذي وصفه بأنه دفاع عن السيادة الوطنية، ليوقف مشروعاً كان سيجعل بولندا المستفيد الأكبر من برنامج "SAFE" الأوروبي، الذي يهدف إلى تعزيز القدرات الدفاعية للدول الأعضاء عبر تقديم قروض ميسرة بقيمة 150 مليار يورو. كان من المقرر أن تحصل بولندا على حوالي 44 مليار يورو من هذه الأموال، والتي كانت الحكومة تخطط لاستثمار أكثر من 80% منها في الصناعات الدفاعية المحلية، مما كان سيخلق فرص عمل لحوالي 12,000 شركة بولندية.
اقرأ أيضاً
وبرر الرئيس ناوروتسكي قراره بالقول: "لا يجوز لأمن بولندا أن يعتمد على قرارات أجنبية". وأضاف في تصريح يعكس رؤيته القومية المتشددة: "الشعب الوحيد الذي يبقى حراً حقاً هو الشعب الذي يتمكن من الاعتناء بأمنه بنفسه". هذه التصريحات تتماشى مع مواقف الرئيس المعروفة بتشككها تجاه الاتحاد الأوروبي، وتؤكد على رغبته في استقلالية بولندا الكاملة في مجال الدفاع، حتى لو كان ذلك على حساب الاستفادة من دعم أوروبي مشترك.
في المقابل، انتقد رئيس الوزراء دونالد توسك بشدة قرار الرئيس، واصفاً إياه بأنه "ضياع لفرصة للتصرف كوطني". وأشار توسك، الذي تنتمي حكومته إلى ائتلاف وسط اليسار، إلى أن هذا الفيتو الرئاسي يعكس التوترات السياسية المستمرة في وارسو منذ انتخاب ناوروتسكي، المدعوم من حزب القانون والعدالة (PiS) المعارض، في عام 2025. وأكد توسك أن هذا الخلاف الاستراتيجي يعني أن بولندا، كدولة محورية في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، لم تعد تتحدث بصوت واحد في القضايا الاستراتيجية الهامة.
تتجلى حدة هذا الصراع السياسي في الخلفية التي يقف وراءها. فالرئيس ناوروتسكي وحكومة توسك ينتميان إلى معسكرين سياسيين متنافسين بشدة. ومنذ أسابيع، يشن رئيس حزب القانون والعدالة (PiS)، ياروسلاف كاتشينسكي، حملة شرسة ضد برنامج "SAFE"، مروجاً لروايات معادية لألمانيا. تزعم هذه الروايات أن البرنامج هو جزء من خطة لفرض الهيمنة الألمانية على الاتحاد الأوروبي، وأن المستفيد الأكبر منه ستكون شركات الصناعات الدفاعية الألمانية، وليس الدول الأعضاء. وقد صرح كاتشينسكي قائلاً: "إنهم يقدمون لنا بولندا تحت الحذاء الألماني، ونحن نرفض هذا الحذاء الألماني".
لمواجهة هذا الوضع، طرح الرئيس ناوروتسكي، بالتعاون مع محافظ البنك الوطني البولندي آدم غلابينسكي، خطة بديلة أطلق عليها اسم "SAFE 0 بالمئة". تهدف هذه الخطة إلى تمويل برنامج تسلح مماثل في الحجم، ولكن بشكل خالٍ من الفوائد، وذلك بالاعتماد على احتياطيات النقد الأجنبي والذهب لدى البنك الوطني. ورغم أن تفاصيل هذه الخطة لا تزال غامضة، إلا أن الخبراء الماليين يحذرون بشدة من المخاطر المحتملة المرتبطة بها. وأشار المحافظ غلابينسكي إلى أن هذا المشروع "يعني جيشاً قوياً دون ديون عبر الأجيال"، داعياً جميع القوى السياسية إلى دعمه.
ومع ذلك، فإن تنفيذ خطة "SAFE 0 بالمئة" يتطلب موافقة حكومة توسك، التي أوضحت بالفعل أنها لن تمنح هذه الموافقة. يرى توسك وحكومته أن الاعتماد على احتياطيات البنك المركزي لتمويل الإنفاق العسكري قد يكون له آثار اقتصادية سلبية وغير مستدامة على المدى الطويل، ويفضلون المسار الأوروبي المشترك الذي يوفر تمويلاً ميسراً ويضمن التعاون الأمني.
يهدف برنامج "SAFE"، الذي من المقرر أن يبدأ في عام 2025، إلى تزويد دول الاتحاد الأوروبي بمزيد من الموارد لشراء الأسلحة في مواجهة التهديدات المتزايدة من روسيا. وتخطط وزارة الدفاع البولندية لاستخدام هذه الأموال لشراء أنظمة دفاع جوي ضد الطائرات المسيرة والصواريخ، بالإضافة إلى طائرات هليكوبتر وقوارب. في المقابل، اختارت ألمانيا عدم الاستفادة من هذه القروض الأوروبية، مفضلة الاعتماد على ميزانيتها الوطنية لتمويل تحديث قواتها المسلحة.
يبقى السؤال الآن مفتوحاً حول كيفية تجاوز هذا المأزق السياسي والاقتصادي. هل ستتمكن الحكومة من إقناع الرئيس بالتراجع عن فيتوه؟ أم سيتم إيجاد صيغة مشتركة تمول التحديث العسكري لبولندا دون تعريض استقرارها المالي للخطر أو إضعاف موقفها داخل الاتحاد الأوروبي؟ إن تطورات هذا الملف ستكون حاسمة في تحديد مسار السياسة الدفاعية والأمنية لبولندا في السنوات القادمة.