الجمعة، ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ / 25 سبتمبر 2026 م 08:04 ص بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

كيف هزمت فنلندا الفاشية: دروس من حركة لابوا

ما يمكن أن تعلمه الولايات المتحدة اليوم من هزيمة حركة لابوا
استمع للخبر الأخبار عبد الفتاح يوسف 2026-03-05 08:16 36
كيف هزمت فنلندا الفاشية: دروس من حركة لابوا

فنلندا - وكالة أنباء إخباري

فنلندا تتصدى للفاشية: دروس من صعود وسقوط حركة لابوا

في عالم غالبًا ما يركز على الصراعات الكبرى، تقدم التجربة التاريخية لفنلندا درسًا قيمًا حول كيفية نجاة الديمقراطية من التحديات الداخلية، وتحديدًا من حركة لابوا اليمينية المتطرفة التي كادت أن تجرف البلاد نحو الشمولية في أوائل القرن العشرين. بينما تتجه الأنظار اليوم نحو التحديات الديمقراطية المعاصرة في دول مثل الولايات المتحدة، فإن قصة فنلندا، التي شهدت صعود هذه الحركة في فترة ما بعد الحرب الأهلية الدموية، تقدم رؤى عميقة حول آليات الصمود الديمقراطي.

تأسست فنلندا الحديثة عام 1919 في أعقاب حرب أهلية مريرة قسمت البلاد بين الاشتراكيين "الحمر" والمحافظين "البيض". وعلى الرغم من انتصار البيض، ظل الخوف العميق من الشيوعية سائدًا، مما خلق أرضية خصبة لنمو الحركات المتطرفة. بحلول نهاية عشرينيات القرن الماضي، تبلور هذا الخوف في شكل حركة لابوا، وهي فصيل يميني متطرف وسلطوي، سمي على اسم اشتباك عنيف وقع في بلدة لابوا بين مزارعين محليين وجماعة شبابية شيوعية. لم تكن الحركة مجرد تجمع للمتطرفين، بل استقطبت دعمًا شعبيًا واسعًا، جاذبةً إليها ليس فقط الراديكاليين من اليمين المتطرف، بل أيضًا سياسيين معتدلين من يمين الوسط، ورجال أعمال، وصناعيين بارزين، الذين رأوا في شعبوية الحركة فرصة لتحقيق مصالحهم.

في صيف عام 1930، نظمت حركة لابوا مسيرة ضخمة إلى العاصمة هلسنكي، شارك فيها حوالي 12,000 عضو، في استعراض للقوة مستوحى بشكل واضح من "مسيرة روما" التي قادها بينيتو موسوليني عام 1922، والتي أدت إلى وصول الفاشيين إلى السلطة في إيطاليا. على الرغم من أن المسيرة لم تنجح في إسقاط الحكومة الديمقراطية الفنلندية، إلا أنها أدت إلى تغييرات ملموسة. فقد كانت الأحزاب المحافظة الحاكمة متعاطفة بشكل كبير مع حركة لابوا، وفي أعقاب المسيرة، تم تمرير عدد من "الإصلاحات" التي اعتبرت غير ديمقراطية، وكان هدفها الأساسي هو تقييد حرية التعبير والمشاركة السياسية للشيوعيين الفنلنديين. هذا التنازل الأولي من قبل المؤسسة السياسية الشرعية منح الحركة زخمًا إضافيًا، لكنه لم يرضِ المتطرفين داخلها.

مع تزايد قوة الحركة، تصاعدت هجماتها على الديمقراطية الفنلندية، واتخذت منحى أكثر عنفًا. اشتهرت الحركة بـ"الاختطافات السياسية" الرمزية، حيث كانت تقوم بخطف المعارضين السياسيين من منازلهم وإلقائهم عند الحدود مع الاتحاد السوفيتي. وفي عام 1930، بلغ التطرف ذروته عندما قام راديكاليون من حركة لابوا باختطاف الرئيس السابق كارلو يوهو ستولبيرغ، أول رئيس منتخب ديمقراطيًا للجمهورية الفنلندية. هذا التصعيد، وخاصة اختطاف رئيس سابق، كان بمثابة نقطة تحول حاسمة. فقد أدى إلى نفور العديد من الشخصيات المعتدلة وذات التوجه اليميني الوسطي التي كانت قد تحالفت سابقًا مع الحركة. وكما أشار الباحث في جامعة هلسنكي، أولا سيلفينوينن، في مقابلة، فإن هذه الأعمال "تعارضت مع الشعور باللياقة لدى معظم مؤيديها"، مما أدى إلى تآكل الدعم الشعبي والسياسي للحركة.

لكن اليمين المتطرف لم يستسلم بسهولة. ففي عام 1932، حاولت الحركة شن هجوم مسلح على العاصمة انطلاقًا من بلدة مانتسالا القريبة. ودعت الحركة الحرس المدني الفنلندي - وهي قوة مساعدة كانت متعاطفة مع القضية المناهضة للشيوعية - للانضمام إلى انتفاضتها ضد الحكومة المركزية. ومع ذلك، جاءت المفاجأة عندما رفض معظم أعضاء الحرس المدني الانضمام إلى التمرد. وبدلًا من ذلك، تحرك القضاة، والأهم من ذلك، السياسيون المحافظون الرئيسيون، لتهميش الراديكاليين. أعلن الرئيس الفنلندي المحافظ، الذي كان يُعتبر في السابق مقربًا من حركة لابوا، حالة الطوارئ، وطالب باعتقال قادة الحركة، وبث نداءً عبر الراديو الوطني أمر فيه أعضاء الحركة بالعودة إلى ديارهم. كانت كلماته مؤثرة: "طوال حياتي الطويلة، كافحت لدعم القانون والعدالة، ولا يمكنني السماح بسحق القانون الآن."

هذا الموقف الحاسم من قبل القيادة السياسية والقانونية، إلى جانب نفور قطاع واسع من المؤيدين، أدى في النهاية إلى تضاؤل حركة لابوا تمامًا في غضون سنوات قليلة. وبحلول عام 1937، تمكن ائتلاف مستقر من يسار الوسط من تأمين السلطة في فنلندا. واليوم، تُعد فنلندا الدولة الوحيدة التي حصلت على درجة كاملة (100/100) في مؤشر الحرية السياسية والحريات المدنية الذي تصدره منظمة Freedom House. إن قصة فنلندا لا تُظهر فقط كيف يمكن لدولة أن تتغلب على الحركات المتطرفة التي تهدد ديمقراطيتها، بل تؤكد أيضًا على الدور الحاسم الذي يلعبه السياسيون المعتدلون في رفض تمكين التطرف، حتى عندما يبدو جذابًا أو مفيدًا على المدى القصير. إنها دعوة للحذر واليقظة، وتذكير بأن الديمقراطية يمكن أن تنتصر، ولكنها تتطلب شجاعة والتزامًا بالقيم الأساسية، خاصة في الأوقات الصعبة.

# فنلندا # حركة لابوا # فاشية # ديمقراطية # تاريخ # سياسة # تطرف # يميني متطرف # دروس تاريخية # الولايات المتحدة
اقرأ هذا الخبر