القاهرة - وكالة أنباء إخباري
بكلمات تنبض حزنًا وأسى، روت السيدة «رشا» مأساة ابنها «يوسف»، الشاب الطموح الذي كان يسعى على رزقه بجمع الخردة، قائلة: «كان بيشقى على الحلال من صغره، وفي الآخر يندفن تحت بلاط بيت». هذه الجريمة البشعة، التي بدأت باستدراج الشاب الثلاثيني «محمد» لسرقة «تروسيكل الخردة» بهدف شراء المخدرات، انتهت بفاجعة مزدوجة هزت وجدان قرية القبابات ومركز أطفيح جنوب الجيزة. فقد يوسف حياته غدرًا، ولحق به والده الذي مات «مقهورًا» بعد عشرة أيام فقط من اختفاء ابنه، في حين عاش الجاني على مدار شهرين كاملين فوق الجثة المدفونة في غرفته، حتى كُشف أمره في النهاية بعد محاولته بيع التروسيكل المقطع، لتنتهي رحلة بحث مريرة بكشف تفاصيل جريمة أليمة أصبحت حديث الناس.
يوسف: سند الأسرة وعمودها الفقري
يوسف، الذي لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره، كان يمثل نموذجًا للكفاح والتفاني. فمنذ نعومة أظافره، انخرط في سوق العمل، مستأجرًا دراجته النارية ذات العجلات الثلاث «التروسيكل» من صاحب عمل رعاه منذ صغره. تصفه والدته، السيدة رشا، لـ«المصري اليوم» بـ«العمود الفقري للبيت»، مشيرة إلى أن والده كان مريضًا طريح الفراش، وأنهم أسرة مكونة من أربعة أطفال آخرين، أصغرهم فتاة تبلغ من العمر خمس سنوات. كانت أيامه تبدأ قبل الفجر بجمع الخردة، وتنتهي ليلاً بتوزيع رزقه الشحيح على إخوته الصغار، مؤكدة بحرقة: «كان بيركب التروسيكل ويروح قرية القبابات كل يوم، المنطقة هناك بالنسبة له كانت أمان، لكن الغدر كان مستنيه وراء باب واحد من بيوتها».
اقرأ أيضاً
- رئيس الوزراء يتابع جهود تحفيز الإنتاج المحلي وتعميق التصنيع الوطني وزيادة الصادرات
- الرئيس السيسى يستقبل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية
- معهد السلام الأمريكي يقاضي لمنع ترامب من وضع اسمه على مقره
- "عراب الذكاء الاصطناعي" يدق ناقوس الخطر: نماذج الذكاء الاصطناعي تهدد بتجاوز السيطرة البشرية
- طيار أمريكي يقفز بالمظلة من مقاتلة "إف-16" محطمة فوق كاليفورنيا
رحلة البحث المريرة ونهاية مأساوية
في الثامن عشر من ديسمبر الماضي، انقطع الاتصال بيوسف بشكل مفاجئ. خرج ولم يعد، لتبدأ أسرته رحلة بحث مضنية ومؤلمة. تروي السيدة رشا تفاصيل الأيام العصيبة قائلة: «قلبنا الدنيا، روحنا على أقسام ومراكز الشرطة ولفينا الشوارع، والناس في القبابات قالوا دخل القرية وما طلعش». لم تكن الأسرة تعلم في تلك اللحظات أن ابنها الغائب كان يواجه مصيرًا بشعًا، فقد استدرجه شخص من القرية، يُدعى «محمد»، مدعيًا أن لديه «بيعة خردة» كبيرة في منزله. دخل يوسف البيت بنية الرزق الحلال، لكنه وجد نفسه في «كمين الموت» المحكم، حيث لم يكتفِ المتهم بسلب ممتلكات الشاب، بل قام بتقييده من يديه وقدميه، ليشل حركته تمامًا، في تمهيد لجريمته النكراء.
تفاصيل الجريمة البشعة: غدر ودفن خفي
تواصل الأم سرد التفاصيل المروعة التي نقلتها إليها الأجهزة الأمنية: «المتهم خنقه بحبل، ولما لقى الولد لسه بيطلع في الروح، جاب شال ولفه حول رقبته لغاية ما اتأكد إنه مات». لم يتوقف إجرام المتهم عند هذا الحد، بل قام بحفر حفرة عميقة تحت بلاط غرفته، ودفن يوسف فيها، ثم وضع حجرًا كبيرًا فوق الجثة وأشعل النار في المكان لإخفاء معالم الحفر وتغيير رائحة المكان. الأكثر صدمة هو أن المتهم عاش في ذات المنزل لمدة ستين يومًا، يأكل ويشرب وينام فوق جثة الشاب، وكان يرش الماء باستمرار على البلاط في محاولة يائسة لإخفاء الرائحة الكريهة وتجنب كشف جريمته.
خيط يكشف المستور: يقظة التجار تؤدي للحقيقة
يكشف محمد غباشي، خال يوسف، لـ«المصري اليوم» عن «الخيط» الذي قادهم إلى الجثة، موضحًا أن المتهم ظن أنه أذكى من الأجهزة الأمنية. فبعد أن قتل يوسف ودفنه، فكر في التخلص من التروسيكل وفي الوقت نفسه بيعه لشراء المخدرات. قام المتهم بتقطيع التروسيكل إلى قطع صغيرة من الخردة، وحاول بيعها لتجار في منطقة أخرى بعيدًا عن مركز أطفيح، مدعيًا أنه من مركز آخر. لكن يقظة التجار الأصيلين، ومعرفتهم المسبقة بتروسيكل المجني عليه، كانت له بالمرصاد. يضيف الخال: «الناس شكت في التروسيكل المتقطع، ولما المباحث مسكت اللي بيبيعه، اعترف بكل حاجة ودلهم على البيت اللي دفن فيه يوسف».
فاجعة مزدوجة: أب يموت حزنًا وابن يدفن غدرًا
لم يكتفِ اللص بإنهاء حياة يوسف، بل قضى على والده أيضًا. فتعاود «رشا» كلامها لتروي كيف ساءت حالة زوجها الصحية فور اختفاء ابنه: «أبوه كان قاعد على جهاز الأكسجين، وكل يوم يسأل: (يوسف جه؟ يوسف فين؟)». بعد عشرة أيام فقط من اختفاء يوسف، وقبل اكتشاف الجثة، فاضت روح الأب حسرةً على ابنه، «مات وهو مش عارف ابنه فين، مات وهو قلبه محروق». تجد والدة المجني عليه نفسها الآن وحيدة في مواجهة الحياة مع أربعة أطفال أيتام، بعد أن فقدت «السند» و«الضنا» في آن واحد، مطالبةً بالقصاص العادل: «الإعدام للي ارتكب الجريمة»، مؤكدة أن المتهم كان بكامل قواه العقلية وأن ادعاء المرض النفسي محاولة للهروب من العقاب.
صدمة المجتمع والمطالبة بالعدالة
لم تكن الفاجعة تخص عائلة يوسف وحدها، بل خيّم الحزن على أرجاء مركز أطفيح وقرية القبابات بأكملها. يصف جيران الضحية يوسف بأنه «كان صغير بس بـ 100 رجل»، ويقول أحد جيرانه: «الولد ده كان بيجري على لقمة عيشه بالحلال، والكل كان بيحبه ويشفق عليه من تعب الشغل في سنه الصغير». يتابع الجار بغضب: «المتهم استغل طيبة يوسف وصغر سنه وجره لمصيدة الموت، إحنا مش متخيلين إن فيه بني آدم يقدر يقتل طفل ويدفنه تحت سريره ويعيش حياته طبيعي وسطنا وهو ريحة الدم في بيته، دي جريمة دخيلة علينا وعلى أخلاقنا». تلك المشاعر تعكس الغضب الشعبي العارم المطالب بإنزال أقصى العقوبات بالجاني.
تحقيقات النيابة تلاحق الجاني
عقب اكتشاف الجثة والقبض على المتهم، باشرت النيابة العامة تحقيقات موسعة في الواقعة. وقد أصدرت النيابة قرارًا بحبس المتهم أربعة أيام على ذمة التحقيقات، مع مراعاة التجديد في المواعيد القانونية، ووجهت له تهمة «القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد المقترن بجنايتي السرقة والخطف». كما أمرت النيابة بانتداب الطبيب الشرعي لتشريح جثمان يوسف وإعداد تقرير مفصل حول سبب الوفاة وتوقيتها، خاصة مع حالة التحلل التي بدت على الجثة نتيجة بقائها مدفونة لأكثر من شهرين. في إطار استكمال التحقيقات، اصطحبت قوة من مباحث مركز أطفيح المتهم إلى مسرح الجريمة بقرية القبابات لإجراء المعاينة التصويرية (تمثيل الجريمة)، حيث اعترف بارتكابه للواقعة مبررًا إقدامه عليها بأنه «كنت عايز أشتري مخدرات، بعد انفصالي عن مراتي وعايش لوحدي»، لتبقى هذه الجريمة وصمة عار في جبين الإنسانية، وتذكيرًا بخطورة الإدمان ووحشية الجريمة التي قد تُزهق أرواحًا بريئة وتفتك بأسر كاملة.
أخبار ذات صلة
- الأمن يزيح الستار عن حقيقة منشور متداول: سيدة تختلق ادعاءات مطاردة وتهديد بالقتل ضد مالك عقار بالدقهلية
- محكمة جنايات الزقازيق تحيل أوراق "قاتل الحلاق" للمفتي في جريمة هزت العاشر من رمضان
- محكمة الزقازيق تؤيد إعدام مدرب السيارات قاتل شقيقه وطفليه خنقاً في جريمة هزت أبو كبير
- تأجيل محاكمة المتورطين في قضية فساد المستلزمات الطبية لمرضى الفشل الكلوي بقيمة 65 مليون جنيه
- زوجة تستل سكينًا وتطعن زوجها في مقر عمله بالشيخ زايد بسبب الخيانة