الخميس، ١٥ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ / 27 أغسطس 2026 م 05:46 م بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

مأساة تهز إمبابة: شاحن هاتف يحصد أرواح ثلاثة أطفال ويُفطر قلب أم

استمع للخبر تقنيات عبد الفتاح يوسف 2026-02-14 13:33 16
مأساة تهز إمبابة: شاحن هاتف يحصد أرواح ثلاثة أطفال ويُفطر قلب أم

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

في مشهد يجسد قسوة القدر ومفارقاته المؤلمة، تحولت حياة أسرة مصرية في منطقة إمبابة بالجيزة إلى كابوس مفجع، إثر حريق مروع أودى بحياة ثلاثة أطفال أبرياء. كانت «دعاء»، الأم المكافحة التي تعمل سمسارة عقارات، تخطو خطواتها بدقة بين أعباء الأمومة والعمل الشاق لتوفير لقمة العيش لأبنائها الثلاثة: ليلى وزين ويونس. ففي مساء يوم تخلله واجب اجتماعي اعتيادي (عزاء)، وخلال عودتها من شراء مستلزمات المدارس والمنزل لليوم التالي، لم تكن تدرك أن مصير أسرتها بالكامل كان يُعاد صياغته في غيابها، على يد قطعة إلكترونية صغيرة: شاحن هاتف محمول تُرك في مقبس الكهرباء.

تكشفت تفاصيل الفاجعة المروعة ببطء، بدأت بخيوط دخان متصاعدة لم يلحظها أحد في بادئ الأمر، ظنًا من الجيران أنها مجرد حرق بسيط في الشارع. ولكن سرعان ما تصاعدت الأدخنة لتتحول إلى جدار أسود كثيف، ومعها تعالت صرخات استغاثة الأطفال من داخل الشقة الواقعة بالدور الأرضي. تصف «رضا»، جارة الأم وصديقتها المقربة، اللحظات الأولى من الرعب واليأس، حيث هرع الجيران محاولين إنقاذ الصغار. «سمعت صراخهم من ورا الشباك الحديد ومعرفتش أعمل حاجة، الدخان كان عامل زي الحيطة السودة»، كلمات تعبر عن العجز أمام النيران التي أحكمت قبضتها على مخارج الشقة، مانعة أي محاولة لاقتحامها، حتى ببطانيات مبللة.

كانت الأم «دعاء» قد غادرت الشقة، التي تقطنها بمفردها مع أبنائها، قبل دقائق قليلة من اندلاع الحريق. رحلة قصيرة لتقديم واجب العزاء، تلتها توقف عند مخبز لشراء خبز «الفينو» ومستلزمات مدرسية للأطفال، خاصة ليلى (10 سنوات) وزين (7 سنوات)، استعدادًا ليوم دراسي جديد. عادت الأم لتجد سيارات الإطفاء والإسعاف تحاصر المكان، والحشود تملأ الشارع، مشهد كفيل بأن يحول أية لحظة هدوء إلى صرخة لا تنتهي. «حاولت ترمي نفسها جوه النار وتقول عيالي عيالي»، تصف «رضا» حالة الانهيار التام التي انتابت الأم حين أدركت حجم المأساة، وكيف تجمع الناس لمنعها من الاندفاع نحو قدر لم يكن بالإمكان تغييره.

وفقًا لشهادات الجيران والتقارير الأولية، لم تستغرق الفاجعة أكثر من نصف ساعة. «كل حاجة خلصت في غمضة عين»، تلك العبارة التي لخصت سرعة الكارثة. المفاجأة الأكبر كانت عندما تمكن رجال الإطفاء من السيطرة على الحريق واقتحام الشقة، حيث اكتشفوا أن الأطفال الثلاثة لم تصبهم ألسنة اللهب بشكل مباشر. أكدت التقارير الطبية لاحقًا أن سبب الوفاة المباشر هو «إسفكسيا الاختناق» جراء استنشاق غاز ثاني أكسيد الكربون، قبل أن تتمكن النيران من الوصول لأجسادهم الصغيرة. وجوه شاحبة، أجساد سليمة ظاهريًا، لكن الأرواح قد صعدت إلى بارئها في صمت مميت.

التحقيقات الأولية التي أجرتها النيابة العامة، مستندة إلى معاينة المعمل الجنائي، كشفت عن السبب الجذري وراء هذه الكارثة الإنسانية: ماس كهربائي نتج عن شاحن هاتف محمول تُرك موصلاً بالكهرباء في المقبس. هذا التفصيل الدقيق، الذي يبدو بسيطًا ويمارسه الملايين يوميًا دون تفكير، كان الشرارة التي أشعلت فتيل الحريق ودمرت أسرة بأكملها. النيابة العامة، بعد معاينة الشقة وتحديد نقطة بداية الحريق من الشاحن وانتقاله للمفروشات، وبعد مناظرة مفتش الصحة للجثامين، أكدت خلو الواقعة من أي شبهة جنائية، ليصرح بعدها بدفن الأطفال.

من جانبه، بدا الأب، المحامي محمد عبدالله، الذي انتقل للإقامة في المحلة الكبرى منذ فترة، في حالة ذهول وصدمة لا توصف. عبر عن حزنه العميق وكلمات رثاء مؤثرة على صفحته الشخصية، واصفًا أبناءه بـ «أحباب الرحمن» و«عرسان الجنة». كتب الأب المكلوم: «انتقل إلى جوار ربهم أحباب الرحمن.. ليلى وزين ويونس.. آن لكم أن ترتاحوا من هذه الدنيا الظالمة، وآن للملائكة أن تلاعبكم». يتمنى الأب أن يشفع له أبناؤه، الذين يحتسبهم شهداء، عند ربهم، مؤكدًا أنه لم يشبع من رؤيتهم في هذه الدنيا الفانية.

يروي «جلال»، خال الضحايا، تفاصيل اللحظات الأخيرة التي سبقت الواقعة، مؤكدًا أن شقيقته كانت منهمكة في تجهيز متطلبات اليوم التالي، من سندويتشات وحقائب مدرسية وحضانة. ويضيف بقلب مفطور، ناقلًا عن الأم المنهارة، كلماتها التي تلخص المأساة بأكملها: «كنت بجهز لهم شنط المدرسة والحضانة، جهزت لهم الكفن». هذه الكلمات المؤلمة تعكس حجم الصدمة والذهول الذي سيطر على الأسرة، فقد رحل الأطفال بـ «هدوء قاتل» نتيجة الاختناق، تاركين خلفهم حزنًا لا يُمكن وصفه في قلوب من أحبوهم.

تستدعي هذه المأساة الأليمة ضرورة الانتباه للمخاطر المحتملة في منازلنا، فكثيرًا ما نتجاهل التوصيات المتعلقة بالسلامة الكهربائية، ونترك الأجهزة الإلكترونية موصولة بالكهرباء دون وعي بالعواقب الوخيمة التي قد تنجم عن ذلك. إنها دعوة للتوعية بخطورة الماس الكهربائي وأهمية التأكد من فصل الشواحن والأجهزة عند عدم الاستخدام، لتجنب تكرار مثل هذه الكوارث التي تحصد أرواحًا بريئة وتحطم عائلات بأكملها. وقد شارك العشرات من الأهالي في جنازة الأطفال الثلاثة بقرية «شبرا بابل» بالمحلة الكبرى، في وداع مهيب يجسد حجم الفجيعة التي تركتها هذه الحادثة الأليمة.

# حريق إمبابة، وفاة أطفال، ماس كهربائي، شاحن هاتف، اختناق، الجيزة، مأساة عائلية، وكالة أنباء إخباري، إهمال كهربائي، سلامة منزلية، حوادث المنازل، حريق شقة
اقرأ هذا الخبر