الاثنين، ٥ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ / 17 أغسطس 2026 م 01:01 م بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

محرقة زيورخ تحت الضغط: الأثر الخفي لجائحة كورونا في سويسرا

استمع للخبر الشرق الأوسط عبد الفتاح يوسف 2025-12-26 19:37 13
محرقة زيورخ تحت الضغط: الأثر الخفي لجائحة كورونا في سويسرا

سويسرا - وكالة أنباء إخباري

محرقة الجثث في زيورخ تكافح تحت وطأة جائحة كورونا: زيادة ساعات العمل وتحديات نفسية

في قلب سويسرا الهادئة، حيث تتراقص جبال الألب الساحرة على إيقاع الحياة السويسرية المنظمة، كشفت جائحة كورونا عن وجه قاسٍ وغير متوقع، ملقيةً بظلالها الثقيلة على المؤسسات الحيوية، وأبرزها محرقة الجثث الكبرى في مدينة زيورخ. ففي سيناريو لم يكن يتصوره أحد، اضطر العاملون في محرقة نوردهايم للجثث، وهي الأكبر في البلاد، إلى تكثيف جهودهم وزيادة ساعات عملهم بشكل غير مسبوق للتعامل مع ارتفاع مقلق في أعداد الوفيات. هذه الأزمة جاءت في وقت تجاوز فيه عدد الإصابات في جميع أنحاء سويسرا 500 ألف شخص من أصل 8.6 مليون نسمة، وتسببت في ما يقرب من 8200 حالة وفاة، مما شكل ضغطاً هائلاً على البنية التحتية الجنائزية.

هذا الارتفاع المذهل في أعداد المتوفين، الذي كان له تداعيات نفسية بالغة على الطواقم العاملة، حول محرقة نوردهايم إلى خط أمامي غير مرئي في المعركة ضد الفيروس. فمع تزايد أعداد الجثث التي تصل يومياً، باتت المحرقة تجاهد للحفاظ على مستوى خدماتها المعتاد، مما اضطر الإدارة لتمديد ساعات العمل، وشمل ذلك بدء عمليات حرق الجثث أيام السبت، وهو أمر لم يكن معتاداً قبل الجائحة. وقد كشفت تقارير، أبرزها ما نقلته صحيفة ديلي ميل البريطانية، عن أن شهر ديسمبر الماضي شهد وحده حرق جثث 860 شخصاً، بزيادة بلغت 45% عن المعدل الطبيعي، وهو ما يعكس الحجم الحقيقي للأزمة التي تسبب بها الفيروس، خاصة بين كبار السن والفئات الأكثر ضعفاً.

عبء نفسي مضاعف على العاملين في مواجهة الوباء

لم يقتصر التحدي على الجانب اللوجستي فحسب، بل امتد ليطال الجانب الإنساني والنفسي للعاملين في هذا القطاع الحساس. فمواجهة الموت بأعداد كبيرة يومياً، والتعامل مع جثث ضحايا الوباء، يلقي بظلاله الثقيلة على الصحة النفسية للموظفين. هذا الأثر النفسي السلبي، الذي تراكم مع استمرار الجائحة، دفع هؤلاء الأبطال المجهولين إلى حدود إنسانية جديدة، بينما يواصلون تقديم خدمة ضرورية للمجتمع في أصعب الظروف، محاولين الحفاظ على كرامة المتوفين وتقديم الدعم لعائلاتهم.

وفي هذا السياق، أكد رولف شتاينمان، رئيس مكتب الجنازة والمقبرة في زيورخ (الذي كان يشغل هذا المنصب وقت الأزمة)، على حجم الجهود المبذولة، قائلاً: "لقد بذلنا أقصى ما في وسعنا، ولم نعرف قط متى ستنتهي هذه الزيادة. نأمل أن تساعد إجراءات الإغلاق القوية ووصول اللقاحات في تخفيض عدد الإصابات والوفيات خلال الفترة المقبلة". تصريحات شتاينمان تعكس قلقاً مشروعاً وتفاؤلاً حذراً في آن واحد، في ظل سعي سويسرا للسيطرة على الوباء الذي كان يهدد بكارثة إنسانية أوسع نطاقاً.

تفاصيل العملية في زيورخ: وداع أخير في ظل الأزمة

تتميز مدينة زيورخ بمعدلات حرق جثث مرتفعة نسبياً، حيث يتم حرق حوالي 90% من الجثث. ومع تفاقم الأزمة، أصبحت الخدمات اللوجستية أكثر تعقيداً ودقة. تقوم الشاحنات الصغيرة بنقل الجثث من المستشفيات ودور الرعاية إلى محرقة نوردهايم، حيث يتم تخزين التوابيت في غرف التبريد الثلاث المخصصة لذلك. وعلى الرغم من الضغط الهائل، تحرص المحرقة على توفير 30 غرفة مخصصة لزيارة الأقارب، ليتمكنوا من إلقاء النظرة الأخيرة على أحبائهم في أجواء من الخصوصية والاحترام، قبل أن يتم وضع الرماد في الجرار، التي يحمل الكثير منها شعار المدينة، لترسل لاحقاً إلى المقابر أو تسلم إلى الأقارب. هذه اللمسات الإنسانية تظل حجر الزاوية في عمل المحرقة.

وأضاف شتاينمان (58 عاماً)، الذي كان مسؤولاً عن هذه الخدمة منذ تسع سنوات وقت الحدث، مؤكداً على أهمية هذه المراحل: "من المهم أن تتاح الفرصة لأفراد الأسرة ليقولوا وداعاً. يمكن أن يكون الأمر أكثر هدوءاً وأقل صدمة، خاصة إذا رأوا الشخص الذي كانوا في العناية المركزة آخر مرة. إنه يساعد في عملية الحزن". واختتم شتاينمان بتأمل مؤثر يعكس عمق تجربته: "نحن نعلم أن الحياة تنتهي، لكن هذه الوظيفة تجعلني متواضعاً وأقدر ما لدي في الحياة". هذه الكلمات تلخص التضحية والإنسانية التي يتمتع بها العاملون في هذا المجال، الذين يقفون في وجه الموت كل يوم، ويساعدون العائلات على تخطي أصعب لحظات حياتهم. للمزيد من التقارير الإخبارية والتحليلات المتعمقة، يمكنكم زيارة بوابة إخباري.

# سويسرا، زيورخ، محرقة الجثث، كورونا، وفيات، جائحة، خدمات جنائزية، نوردهايم
اقرأ هذا الخبر