الأحد، ١١ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ / 23 أغسطس 2026 م 06:02 ص بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

أزمة الصحة النفسية في إسرائيل تتفاقم: تداعيات حرب غزة

استمع للخبر الشرق الأوسط عبد الفتاح يوسف 2026-01-27 23:40 26
أزمة الصحة النفسية في إسرائيل تتفاقم: تداعيات حرب غزة

إسرائيل - وكالة الأنباء العالمية

أدت حرب غزة إلى تفاقم أزمة الصحة النفسية في إسرائيل بشكل غير مسبوق، مخلفةً وراءها تداعيات مجتمعية وسياسية عميقة قد تغير مسار البلاد بشكل دائم. يرى محللون للمجتمع الإسرائيلي أن الصدمة العميقة التي نتجت عن الأحداث الأخيرة قد أزاحت الدعم للتعايش مع الفلسطينيين جانباً، وجعلت من احتمال صعود حكومة أكثر تشدداً في الانتخابات القادمة أمراً مرجحاً، مما ينذر بمرحلة جديدة من التوترات.

منذ السابع من أكتوبر، يعيش المجتمع الإسرائيلي حالة من الصدمة الجماعية التي لم تقتصر على المتضررين بشكل مباشر من الهجمات والقتال، بل امتدت لتشمل كل شرائح المجتمع من الشمال إلى الجنوب. تضاعف عدد الباحثين عن الدعم النفسي، وأصبحت المصحات والعيادات النفسية تحت ضغط هائل لتلبية الطلب المتزايد على خدماتها، مما كشف عن قصور في البنية التحتية المخصصة للصحة النفسية.

تأثيرات الصراع على أزمة الصحة النفسية في إسرائيل

يتحدث خبراء الصحة النفسية عن تصاعد مقلق في حالات اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، والقلق العام، والاكتئاب، خاصة بين الجنود العائدين من غزة وعائلاتهم، وكذلك سكان المناطق المحيطة بالقطاع والبلدات الشمالية التي تعرضت للقصف. هذه الأزمة ليست مجرد تداعيات فردية، بل هي ظاهرة جماعية تهدد النسيج الاجتماعي وتماسك المجتمع على المدى الطويل.

  • زيادة بنسبة تتجاوز 30% في طلبات الدعم النفسي للمواطنين والعسكريين منذ أكتوبر 2023.
  • ارتفاع ملحوظ في حالات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم بين الأطفال والشباب في المدن المتضررة.
  • تحديات كبيرة تواجه المنظومة الصحية في توفير العلاج الكافي والحديث للمتضررين، مع نقص في الكوادر المتخصصة.
  • تفاقم التوترات الاجتماعية وتعميق الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي بين فئات اليمين واليسار، وبين المتدينين والعلمانيين.

يتجاوز تأثير الحرب الجوانب النفسية ليطال الرؤى السياسية للمجتمع الإسرائيلي برمته. ففي أعقاب الصدمة العميقة، تراجعت الدعوات للسلام والتعايش بشكل كبير، وظهرت توجهات نحو المطالبة بحلول أكثر تشدداً وأمناً، حتى لو كان ذلك على حساب فرص التسوية السلمية مع الفلسطينيين أو تقبل حل الدولتين الذي كان مطروحاً دولياً.

تحولات سياسية واجتماعية جذرية

كانت مسألة التعايش مع الفلسطينيين تحظى بقدر من الدعم في أوساط معينة من المجتمع الإسرائيلي، خاصة بين الأكاديميين وبعض قوى اليسار، لكن الصدمة الحالية غيرت هذه الديناميكية بشكل جذري. يرى المحللون أن الناخب الإسرائيلي أصبح يميل أكثر نحو القادة الذين يعدون بتوفير الأمن المطلق، حتى لو كانت رؤيتهم تتسم بالصقور والتشدد وتجاهل البعد السياسي للصراع.

توقع المحللون أن تكون الانتخابات الإسرائيلية القادمة شاهدة على صعود قوى سياسية ذات توجهات يمينية متطرفة، أو على الأقل، تعزيز مواقف الأحزاب اليمينية القائمة بشكل كبير. هذا التحول ليس مفاجئاً في سياق المجتمعات التي تمر بصدمات جماعية وكوارث أمنية، حيث غالبًا ما يرتفع صوت المطالبين بالاستقرار والأمن على حساب التطلعات الدبلوماسية والتفاهمات الدولية.

تُظهر البيانات الأولية من استطلاعات الرأي والتحليلات الإعلامية أن هناك تحولاً واضحاً في الخطاب العام الإسرائيلي. بات التركيز ينصب على تعزيز القوة العسكرية والأمنية، وتقليل الاعتماد على الحلول السياسية التي تتطلب تنازلات أو حواراً مع الطرف الفلسطيني. هذا التغير في المزاج العام قد يؤثر على مستقبل العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية لسنوات قادمة، وقد يزيد من تعقيد الجهود الدولية لإعادة إحياء مسار السلام أو حتى إبقاء الوضع الراهن.

تحديات مستقبلية عميقة وآفاق الحل

المضي قدماً يتطلب من إسرائيل معالجة هذه الأزمة النفسية المتنامية، ليس فقط على المستوى الفردي من خلال الدعم النفسي، بل على مستوى السياسات العامة التي يجب أن تتضمن خططاً وطنية للتعافي الجماعي. فالمجتمع الذي يعاني من صدمة جماعية قد يجد صعوبة في اتخاذ قرارات متوازنة وعقلانية بشأن مستقبله وعلاقاته الإقليمية والدولية. لذا، فإن توفير الدعم النفسي الشامل وتأهيل المتضررين يعتبر أولوية قصوى يجب أن تتبناها الحكومة على المدى الطويل.

يؤكد الخبراء على أن إهمال هذه الأزمة قد يؤدي إلى عواقب وخيمة، منها زيادة معدلات العنف المجتمعي، وتراجع الإنتاجية، وتدهور جودة الحياة بشكل عام. إن بناء مجتمع أكثر مرونة وقادر على التعامل مع الصدمات المستقبلية يتطلب استثماراً كبيراً في الصحة النفسية والتعليم وتعزيز الحوار الداخلي لتجاوز الانقسامات الحالية.

تبقى التحديات ضخمة، ولكن فهم عمق هذه الأزمة وتأثيرها على النسيج الاجتماعي والسياسي الإسرائيلي هو الخطوة الأولى نحو معالجتها. إن غياب التعافي النفسي المستدام قد يؤدي إلى استمرار دورة العنف وتأجيج الصراع بدلاً من التوجه نحو حلول مستدامة وعادلة لكافة الأطراف المعنية.

وكالة الأنباء العالمية

اقرأ هذا الخبر