روسيا - وكالة أنباء إخباري
أسنان الحوت القاتل تشير إلى ظاهرة أكل لحوم البشر بين الأنواع، وقد تفسر الروابط الاجتماعية القوية
أثارت اكتشافات حديثة لزعانف حيتان قاتلة (الأوركا) تحمل علامات أسنان مميزة على سواحل روسيا تكهنات علمية حول احتمال وقوع ظاهرة أكل لحوم البشر بين هذه الكائنات البحرية الذكية. وقد يقدم هذا السلوك، إن ثبت بشكل قاطع، تفسيراً لسبب تشكيل بعض مجموعات الأوركا لرابط اجتماعية قوية ومتماسكة، وهو ما يثير فضول الباحثين وخبراء علم الأحياء البحرية.
تُظهر الزعانف الظهرية التي عُثر عليها، والتي تم فصلها عن أجسادها، آثار خدوش وعلامات واضحة تشبه بصمات الأسنان، وهي علامات تتفق مع ما يمكن أن تتركه أسنان الأوركا خلال عملية افتراس أو قتال. وفي حين أن العثور على زعانف تحمل علامات أسنان ليس أمراً نادراً بحد ذاته، إلا أن تحديد أن هذه العلامات تعود إلى أوركا أخرى كان بمثابة مفاجأة للباحثين، خاصة وأن الأبحاث السابقة كانت تشير إلى أن هذه العلامات غالباً ما تنتج عن هجمات من قبل أوركا من نوع "بيغز" (Bigg's orcas) على أنواع أخرى من الحيتان مثل حيتان بايرد المنقارية وحيتان المنك.
اقرأ أيضاً
- قادة أوروبيون يتوافدون على كييف في عيد استقلال أوكرانيا وسط تصاعد الصراع
- أمريكا تفرض عقوبات صارمة على إيران: لا مجال للمناورة الاقتصادية
- ترامب يهدد بفرض رسوم جمركية بنسبة 50% على السيارات والشاحنات الكندية
- كندا تعلن عن رسوم جمركية انتقامية ضد الولايات المتحدة وسط تصاعد الحرب التجارية
- عام على مقتل صحفيين بغزة: صمت حول المساءلة بعد ضربات مستشفى ناصر
الدكتورة أولغا فيلاتوفا، باحثة في مجال الحيتان بجامعة جنوب الدنمارك، وفريقها البحثي، هم من قادوا الدراسة التي نشرت نتائجها مؤخراً في مجلة "Marine Mammal Science". بدأت القصة في أغسطس 2022 عندما اكتشف سيرغي فومين، وهو باحث في معهد الجغرافيا بالمحيط الهادئ في روسيا وأحد المشاركين في الدراسة، زعنفة أوركا على شاطئ جزيرة بيرينغ في شرق روسيا. كانت الزعنفة مصابة بالدماء وتحمل علامات أسنان واضحة.
في البداية، افترض فومين أن هذه العلامات تعود إلى هجوم من قبل أوركا "بيغز"، وهي سلالة معروفة باصطياد الثدييات البحرية الأخرى، بما في ذلك الحيتان الأصغر حجماً. إلا أن المفاجأة كانت عندما تم التأكد من أن الزعنفة تعود إلى أوركا أخرى. وبعد عامين، في يوليو 2024، عثر فومين على زعنفة أوركا ثانية، كانت أكبر حجماً قليلاً وتنتمي إلى ذكر شاب، لكنها حملت نفس علامات الأسنان المميزة.
هذا الاكتشاف المزدوج دفع الدكتورة فيلاتوفا إلى الاعتقاد بأنها أمام نمط سلوكي جديد. وأوضحت فيلاتوفا أن زعانف الأوركا قوية وصلبة، وليست سهلة الأكل، كما أنها تحمي الأنسجة الدهنية والعضلية تحتها من المفترس. ولهذا السبب، تميل الحيتان القاتلة إلى التخلي عن الزعانف بعد تناول الفريسة. وأكدت الاختبارات الجينية اللاحقة أن الزعانف تعود إلى أوركا من نوع "المقيم الجنوبي" (Southern resident orcas)، وهي مجموعة معروفة بتواجدها في المياه القريبة من واشنطن وكولومبيا البريطانية، وتشتهر بسلوكياتها الفريدة مثل وضع السلمون على رؤوسها وممارسة التدليك باستخدام الأعشاب البحرية.
يعتقد الباحثون أن أوركا "بيغز" هي المسؤولة على الأرجح عن مهاجمة أوركا "المقيم الجنوبي" وأكلها. وتقول فيلاتوفا: "على الأقل، نحن نعلم الآن أن ظاهرة أكل لحوم البشر تحدث، لكنني أعتقد أنها ليست شائعة للغاية". ويشير الباحثون إلى أن هذا الافتراس العرضي من قبل أوركا "بيغز"، التي تتغذى على الثدييات، قد يكون سبباً رئيسياً وراء تشكيل أوركا المقيمة لمجموعاتها العائلية الكبيرة والمتماسكة. فالحيوانات التي تتجمع في مجموعات كبيرة غالباً ما تفعل ذلك كوسيلة للحماية من الحيوانات المفترسة.
تُعرف الأوركا بأنها من الحيوانات المفترسة العليا في المحيط، وليس لها أعداء طبيعيون معروفون. ومع ذلك، فقد لوحظت سلوكيات عدوانية بينها. ففي عام 2016، تم توثيق قيام أوركا من نوع "بيغز" بمطاردة وقتل صغير لأوركا أخرى، ربما بهدف دفع الأم إلى أن تصبح مستعدة جنسياً مرة أخرى، لكن لم يتم أكل الصغير في تلك الحالة.
يعتقد الباحثون أن التعاون الدفاعي قد يفسر أيضاً الملاحظات التي تفيد بأن مجموعات كبيرة من الأوركا المقيمة تطارد مجموعات أصغر من أوركا "بيغز" وتبعدها. وقد لاحظت فيلاتوفا بنفسها في أبحاثها دليلاً على أن أوركا "بيغز" تتجنب الاقتراب من مجموعات الأوركا المقيمة، ولا تعود إلى منطقة معينة إلا بعد أن تغادرها الأوركا المقيمة. وتقول: "يبدو أن استراتيجية الدفاع هذه فعالة حقاً".
ومع ذلك، لا يزال هناك بعض الشكوك وعدم اليقين بين بعض العلماء. يقول لوك رينديل، عالم أحياء من جامعة سانت أندروز في اسكتلندا، لم يشارك في الدراسة: "أعتقد أن ملاحظات علامات الأسنان على جثث الحيتان التي تتغذى على الأسماك مثيرة للاهتمام، والفكرة تستحق المزيد من التحقيق، ولكن لا يوجد حتى الآن دليل كافٍ لبناء رواية قوية حول التطور الاجتماعي للحيتان التي تتغذى على الأسماك".
يشير رينديل إلى أن الفوائد المحتملة للبحث عن الطعام معاً ونقل المعرفة المحددة حول الموائل والفرائس قد تكون أيضاً دوافع مهمة لتشكيل مجموعات كبيرة مرتبطة بمواقع معينة. وتُظهر حيوانات أخرى أيضاً سلوكيات مماثلة لتشكيل مجموعات متماسكة للدفاع ضد الأوركا. على سبيل المثال، تُعرف أسراب حيتان الطيار طويلة الزعانف (Globicephala melas) بمواجهة ودفع الأوركا بعيداً، وهو سلوك يُعزى إلى طبيعتها الاجتماعية العالية. وفي بعض الأحيان، تتراجع الأوركا عند سماع نداءات حيتان الطيار.
يقول مايكل وايس، المدير البحثي في مركز أبحاث الحيتان في واشنطن، والذي لم يشارك في البحث: "التشابهات بين البنية الاجتماعية لحيتان الطيار قصيرة الزعانف والبنية الاجتماعية للأوركا المقيمة، والتشابهات في كيفية استجابتها الظاهرية لأوركا "بيغز"، تشير إلى أنهما قد يستجيبان كلاهما لضغوط افتراس محتملة". وأضاف وايس: "أعتقد بالتأكيد أنه من الممكن أن تكون أوركا "بيغز" قد افترست هاتين الحيتين". ولكنه أشار إلى أن افتراس الأوركا "بيغز" للجثث (Scavenging) أو العدوان من قبل أوركا مقيمة أخرى أثناء حياة الحيتين قد يكون أيضاً سبباً لعلامات الأسنان على الزعانف الظهرية التي جرفتها الأمواج. وبالتالي، فإن هذه العلامات لا تثبت بشكل قاطع ظاهرة أكل لحوم البشر أو الافتراس، حسب قوله.
تقر الدكتورة فيلاتوفا بأن افتراس الجثث لا يمكن استبعاده تماماً، لأن الأوركا معروفة بتغذيتها على جثث الحيتان من عمليات الصيد. لكنها توضح أن جثث الأوركا الطازجة تغرق بسرعة، مما يجعلها غير متاحة، ولا تبدأ في الطفو إلا بعد أيام قليلة، عندما تبدأ في التحلل. وتضيف: "تحتاج إلى أن تكون جائعاً جداً لتأكل هذا".
تستبعد فيلاتوفا أيضاً أن تكون علامات الأسنان ناتجة عن قتال مع أوركا مقيمة أخرى، لأن هذه العلامات عادة ما تكون على جوانب الحيوانات، وليس على الزعانف. وتعتقد أن ضغط الافتراس هو ما دفع إلى تكوين مجموعات اجتماعية متماسكة في الأوركا المقيمة، ربما قبل 100,000 عام، بعد أن بدأت الحيتان القاتلة التي كانت تتطور بشكل منفصل في المحيط الهادئ والأطلسي في التفاعل. وبما أن الهيكل الاجتماعي أثبت كفاءته، فقد استمر. ومع ذلك، تشير فيلاتوفا إلى أن أكل أوركا أخرى قد لا يُعتبر "أكل لحوم بشر" بالنسبة لهذه الثدييات البحرية، وهناك دعوات لتسميتها كأنواع منفصلة. وتختتم قائلة: "إنها لا تتواصل أبداً؛ ولا تقضي وقتاً معاً. بالنسبة لها، إنها مجرد حوت آخر. فلماذا لا تأكله؟"
أخبار ذات صلة
- سينما سعودية تتألق في سماء الدول الإسكندنافية.. «ليالي عربية» تفتح الأبواب
- إنتر ميلان يعزز صدارته بسحق روما، وسيتي يودع سيلفا وسط إنجازات
- تركيا تعزز دورها في الناتو في ظل قلق من تراجع الدور الأمريكي
- صراع أوروبي إيطالي إنجليزي: إنتر ميلان يوسع الفارق، سيتي يترقب رحيل سيلفا، وليون يفقد نقاطاً ثمينة
- سويسرا تتعهد بتسريع استعادة "الأموال المنهوبة".. الجزائر تكثف جهودها الدبلوماسية والقضائية