إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
--° القاهرة

احتجاج راقٍ في أوبرا فيينا: نائبة أوروبية تطالب بـ 'ضريبة على الأثرياء لإنقاذ المناخ'

استمع للخبر Saudi 365 2026-02-14 15:02 3
احتجاج راقٍ في أوبرا فيينا: نائبة أوروبية تطالب بـ 'ضريبة على الأثرياء لإنقاذ المناخ'

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

رسالة احتجاج من قلب الفخامة: دعوة لضرائب الأثرياء

في ليلةٍ تتلألأ فيها فيينا بأضواء الفخامة والرقي، شهد حفل أوبرا فيينا السنوي، أحد أبرز الفعاليات الاجتماعية في النمسا، احتجاجاً سياسياً لافتاً تصدرت خلاله لينا شيلينغ، عضوة البرلمان الأوروبي عن حزب الخضر، الأضواء برسالتها المدوية. وصلت شيلينغ إلى السجادة الحمراء مرتدية فستاناً أزرق فاتحاً كُتبت عليه عبارة "tax the rich save the climate" (اُفرضوا الضرائب على الأثرياء أنقذوا المناخ)، بينما كانت تمسك بوضوح لافتة أخرى تحمل عبارة "العالم يهلك في الترف". هذه الخطوة الجريئة لم تكن مجرد إشارة عابرة، بل كانت بياناً سياسياً قوياً يهدف إلى تسليط الضوء على العلاقة بين الثروة المفرطة وأزمة المناخ المتصاعدة، مستحضرةً في الأذهان الاحتجاج المماثل الذي قامت به عضوة الكونغرس الأميركية ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز خلال حفل "ميت غالا" عام 2021، بفستانها الذي زينته عبارة "TAX THE RICH".

في بيان أرسلته إلى "يورونيوز غرين"، أكدت شيلينغ على أن "لا يمكننا منع أزمة المناخ ما دام الأثرياء جدا يعيشون على ميراث غير خاضع للضرائب، وكأن لا غد هناك، في وقت تصبح فيه تكاليف المعيشة لا تُحتمل بالنسبة إلى عدد كبير من الناس". وأضافت أن هذه "الثروات السلالية" لم يكسبها أصحابها بأكثر مما كسبها الأطفال المهددون بالفقر، مقترحةً أن "سيكون من الأفضل استثمارها في رياض الأطفال وتذاكر النقل العام والمستشفيات". هذه الكلمات تعكس جوهر الحجج التي يطرحها النشطاء والمدافعون عن العدالة الاجتماعية والمناخية، والذين يرون أن التفاوت الاقتصادي ليس مجرد مشكلة اجتماعية، بل هو عائق رئيسي أمام التوصل إلى حلول مستدامة للأزمات العالمية.

اللوم على الشركات الكبرى وتكلفة التغير المناخي

لم يقتصر انتقاد شيلينغ على الأثرياء الأفراد فحسب، بل وجهت سهامها أيضاً نحو الشركات الكبرى التي تعد محركاً رئيسياً للتغير المناخي. استهدفت النائبة الأوروبية شركة "أو إم في" (OMV)، إحدى أكبر المجموعات الصناعية في النمسا والمتخصصة في النفط والغاز والبتروكيماويات، بصفتها الراعي الرئيسي لحفل أوبرا فيينا. وأوضحت أن "أزمة المناخ ستطال الجميع هنا أيضاً، لكن أضرار المناخ تُحَس أولاً لدى من يملكون أقل قدر من المال". هذا التصريح يجسد البعد الطبقي لأزمة المناخ، حيث يتحمل الفقراء وذوو الدخل المحدود العبء الأكبر من تداعياتها، رغم أنهم الأقل مسؤولية عن تسببها.

إن الأرقام العالمية تؤكد صحة هذا التحذير؛ فمنذ عام 1980، أدت ظواهر الطقس المتطرف المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة إلى أضرار هائلة بلغت 738 مليار يورو في مختلف أنحاء أوروبا وحدها. وعلقت شيلينغ على هذا الرقم بالقول: "تخيلوا فقط ما كان بإمكان هذا المال أن يحققه للعمل المناخي والتعليم ونظام الرعاية الصحية لدينا". إنها دعوة صريحة لإعادة توجيه الموارد المالية الضخمة نحو الأولويات المجتمعية الحقيقية بدلاً من تركها تتراكم في أيدي قلة قليلة. وشددت شيلينغ على أن احتجاجها "ليس موجهاً بالتأكيد ضد الأم التي تشاهد بفخر ابنتها وهي تؤدي الفالس الافتتاحي الليلة، بل ضد نحو 400 من الأثرياء للغاية في النمسا ممن تتجاوز ثرواتهم 100 مليون يورو ويجنون الأرباح من تدمير كوكبنا"، محددة بذلك هدفها بوضوح ودقة.

حملة لفرض ضرائب عادلة: من إنستغرام إلى البرلمان

لم تتوقف حملة شيلينغ عند حدود الاحتجاج الرمزي، بل امتدت لتشمل دعوة مباشرة للعمل السياسي والمدني. على منصة "إنستغرام"، دعت النائبة الأوروبية متابعيها البالغ عددهم 40.000 متابع إلى توقيع عريضة تطالب الحكومة النمساوية بفرض ضرائب "عادلة" على الأثرياء جداً، من بينها إعادة ضريبة الميراث التي أُلغيت في النمسا عام 2008. وجاء في نص العريضة أن "يمكن لمن هم أثرياء جداً أن يعيدوا أكثر للمجتمع. ففي معظم الدول توجد منذ زمن طويل ضريبة خاصة على الأثرياء للغاية"، مشيرة إلى أن النمسا باتت استثناءً في هذا السياق.

لتعزيز حججها، يستشهد حزب الخضر بمثال كوريا الجنوبية، حيث جرى تحصيل نحو تسعة مليارات يورو من ضريبة ميراث واحدة على ثروة عائلة "لي" المؤسسة لشركة "سامسونغ إلكترونيكس". هذا المبلغ الهائل لم يساهم في تمويل الخزانة العامة فحسب، بل ساعد أيضاً على خفض الضرائب على الشركات المتوسطة وبناء بنى تحتية حيوية مثل المدارس. وتُعد "سامسونغ" من أكبر دافعي الضرائب في كوريا الجنوبية، حيث تبلغ ضريبة الميراث هناك 50 في المئة، وهي ثاني أعلى نسبة في العالم بعد اليابان، مما يظهر الإمكانات الهائلة التي يمكن تحقيقها من خلال نظام ضريبي عادل وفعال. تطرح العريضة مقارنة صارخة بين وضع العامل العادي والوريث الثري في النمسا: "أنت تعمل بجد وتتقاضى 2.000 يورو شهرياً. هل تدفع ضرائب على دخلك؟ نعم. لكن شخصاً ما يرث 50 مليون يورو. هل يدفع الأثرياء جداً ضرائب على ذلك؟ لا! هل تعتقد أن هذا عادل؟"، لتثير بذلك تساؤلات جوهرية حول العدالة الضريبية.

مقترحات حزب الخضر وآفاق مستقبلية

تتصاعد في السنوات الأخيرة الدعوات إلى إعادة العمل بضريبتي الميراث والثروة في النمسا، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والمناخية المتلاحقة. ويقدم حزب الخضر مقترحاً تفصيلياً لضريبة الميراث، يهدف إلى تحقيق العدالة دون المساس بالطبقات المتوسطة والصغيرة. يقترح الحزب إعفاء التركات حتى مستوى مليون يورو، أو مليون ونصف المليون يورو للعقارات المسجَّلة كمسكن رئيسي، لضمان عدم تأثر الأسر ذات الدخل المحدود أو المتوسط. بعد ذلك، تُفرض ضريبة بنسبة 25 في المئة على الميراث حتى خمسة ملايين يورو، ترتفع إلى 30 في المئة للمبالغ بين خمسة ملايين وعشرة ملايين يورو، و35 في المئة لما يتجاوز ذلك، مما يضمن تصاعدية الضريبة وفقاً لحجم الثروة.

كما يشدد الحزب على ضرورة استثناء المزارع والمشاريع العائلية الصغيرة من هذه الضرائب، موضحاً أن "السبّاك الصغير في آخر الشارع ليس كالشركة التي تساوي مليارات الدولارات والمملوكة لأغنى العائلات في البلد". ويؤكد حزب الخضر أن ضريبة من هذا النوع يمكن أن تدر ما لا يقل عن مليار ونصف المليار يورو سنوياً، وهو مبلغ يمكن أن يُحدث فرقاً كبيراً في تمويل مبادرات العمل المناخي، تعزيز التعليم، ودعم نظام الرعاية الصحية المترنح. وفي خطوة إضافية لزيادة الضغط، تسمّي العريضة وتُحَرِّج علناً عشرة أشخاص وعائلات من الأثرياء جداً المقيمين في النمسا، تزيد ثروة كل منهم على ثلاثة مليارات يورو، من بينهم مارك ماتيشيتز، الذي يملك ما يقرب من نصف شركة "Red Bull"، والرئيس التنفيذي السابق لشركة "L’Occitane en Provence" رينولد غايغر. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، جمعت العريضة 9.418 توقيعاً، مما يشير إلى تنامي الدعم الشعبي لهذه المطالب، ويُشكل ضغطاً متزايداً على صانعي القرار لإعادة النظر في السياسات الضريبية القائمة وتحقيق قدر أكبر من العدالة المالية والبيئية.

# لينا شيلينغ # أزمة المناخ # ضرائب الأثرياء # العدالة المناخية # النمسا # أوبرا فيينا # حزب الخضر # ضريبة الميراث # OMV # ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز # تفاوت اقتصادي # سياسة ضريبية
اقرأ هذا الخبر