برلين، ألمانيا - وكالة أنباء إخباري
اكتشاف تاريخي يعيد كتابة تاريخ التواصل البشري: الكتابة الرمزية تعود إلى 40 ألف عام
دراسة رائدة، نُشرت مؤخرًا في مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences المرموقة، تقدم أدلة جديدة مقنعة تشير إلى أن البشر الأوائل انخرطوا في أشكال متطورة من الكتابة الرمزية منذ 40 ألف عام. يعيد هذا الاكتشاف الهائل تحديد الجدول الزمني الراسخ للتواصل البشري بشكل أساسي، متحديًا الفهم التقليدي بأن اللغات المكتوبة المعقدة نشأت في المقام الأول مع النقوش المسمارية الأولية في بلاد الرافدين حوالي 3000 قبل الميلاد. تشير النتائج إلى نسب أعمق وأكثر قدماً لقدرتنا على ترميز المعلومات، مما يدفع بحدود ما اعتقدنا أنه ممكن لمجتمعات العصر الحجري.
ركز البحث، الذي قاده فريق متخصص من علماء الآثار وعلماء اللغة الحاسوبية، على كنز من 260 قطعة أثرية غامضة تم اكتشافها من مواقع كهوف مختلفة من العصر الحجري تقع في سلسلة جبال سوابيان جورا النائية في ألمانيا. من بين هذه الكنوز القديمة تمثال ضخم من الماموث منحوت بدقة من ناب الحيوان المنقرض منذ فترة طويلة، و'المتعبد' الشهير، وهو نقش عاجي يصور شخصية هجينة بين إنسان وأسد بأذرع ممدودة. ما يوحد هذه القطع والعديد من القطع الأثرية المماثلة الأخرى هو الوجود المتكرر لأنماط هندسية مميزة – تسلسلات من الخطوط والصلبان والنقاط والشقوق – التي طالما حيرت الباحثين فيما يتعلق بمعناها وغرضها المحتمل.
اقرأ أيضاً
- وفاة أسطورة موسيقى الكانتري دولي بارتون عن 80 عامًا وتدفق النعي العالمي
- "كاهن المطار": مراجعة لمسلسل نتفليكس الجديد الذي لا يُقاوم
- تحولات بيئية عالمية: صحفيو المناخ يكشفون عن حلول إيجابية تبعث الأمل
- ارتفاع قياسي في أعداد المتحولين إلى الكاثوليكية بالكنائس الأمريكية: تحول ديني لافت
- جدل الأجساد في عصر الأوزمبيك: خبراء يقدمون إرشادات لحديث خالٍ من الضرر
أوضحت إيوا دوتكيفيتش، المؤلفة المشاركة في الدراسة وعالمة الآثار المرموقة في متحف برلين لعصور ما قبل التاريخ والتاريخ المبكر: "تعود هذه القطع الأثرية إلى عشرات الآلاف من السنين قبل ظهور أول أنظمة كتابة معروفة، إلى الوقت الذي غادر فيه الإنسان العاقل إفريقيا، واستقر في أوروبا، والتقى بإنسان النياندرتال". ويؤكد تصريحها الآثار الزمنية العميقة لعمل الفريق، حيث يضع هذه التعبيرات الرمزية بقوة ضمن العصر الحجري القديم، وهي فترة غالبًا ما تتميز بأشكال بدائية من التواصل.
لتحليل المجموعة الواسعة من الرموز بشكل منهجي، قامت دوتكيفيتش وزملاؤها بفهرسة أكثر من 3000 نقش هندسي بدقة في قاعدة بيانات متخصصة لعلامات العصر الحجري. سمح لهم هذا النهج المبتكر باستخدام مجموعة من أدوات التحليل الحاسوبية المتقدمة. والأهم من ذلك، لم يبدأ الفريق هذا المسعى بتوقع ترجمة هذه الرسائل القديمة بالمعنى اللغوي. بدلاً من ذلك، كان هدفهم الأساسي هو مقارنة وتباين السمات الأساسية لهذه العلامات من العصر الحجري القديم مع الخصائص الهيكلية لأنظمة الكتابة اللاحقة والمعترف بها.
شرح كريستيان بنز، المؤلف المشارك من جامعة سارلاند الألمانية وخبير في اللغويات الكمية، التقدم المنهجي. وأشار بنز إلى أنه "بينما تكثر النظريات، فإن البحث التجريبي في الخصائص الأساسية والقابلة للقياس لهذه العلامات القديمة كان نادرًا بشكل ملحوظ حتى الآن". من خلال تطبيق أساليب متطورة مثل اللغويات الكمية والنمذجة الإحصائية، تمكن الباحثون من إجراء مقارنات ثاقبة بين الرموز التي تزين القطع الأثرية من العصر الحجري القديم والكتابة المسمارية المبكرة، وكذلك أشكال الكتابة الحديثة. سمح لهم ذلك بتقدير الكثافة المحتملة للمعلومات والتعقيد الهيكلي المضمن داخل هذه النقوش التي تعود لآلاف السنين.
أسفرت نتائج الدراسة عن رؤى مفاجئة. غالبًا ما افترضت الفرضيات الأولية أن النقوش المسمارية الأولية المبكرة ستظهر تشابهات هيكلية أوثق مع أنظمة الكتابة المعاصرة. ومع ذلك، كشف التحليل عن رواية مختلفة: يبدو أن طرق التواصل في بلاد الرافدين تشترك في تشابهات أساسية أكثر مع أسلافها من العصر الحجري. يشير هذا إلى استمرارية ملحوظة في المبادئ الأساسية للترميز الرمزي، مما يعني أن البنية الأساسية 'للكتابة' أو تخزين المعلومات ربما تطورت بشكل أقل دراماتيكية على مدى عشرات الآلاف من السنين مما كان مفترضًا في السابق.
أكد بنز: "إن القدرة البشرية على ترميز المعلومات باستخدام العلامات والرموز هي قدرة تطورت على مدى آلاف السنين. الكتابة، كما نعرّفها عادةً، هي مجرد مظهر محدد واحد ضمن سلسلة أوسع وأطول بكثير من أنظمة العلامات". وربط ذلك بالتقدم المعاصر، قائلاً: "نحن نطور باستمرار أنظمة جديدة لترميز المعلومات؛ في الواقع، الترميز هو الأساس لجميع أنظمة الكمبيوتر". يوسع هذا المنظور تعريف 'الكتابة' إلى ما هو أبعد من التمثيل الصوتي أو الدلالي ليشمل أي نظام منظم لتخزين المعلومات ونقلها.
بينما تظل المعاني الدقيقة للرموز على هذه القطع الأثرية الألمانية من العصر الحجري القديم لغزًا مثيرًا للاهتمام، فإن فريق البحث واثق من أنها لا تمثل لغة منطوقة بالمعنى التقليدي. أوضح بنز: "تظهر العلامات الموجودة على هذه الأشياء الأثرية تكرارًا متكررًا – فكر في 'صليب، صليب، صليب' أو 'خط، خط، خط'. هذه الخاصية التكرارية المتأصلة تختلف جذريًا عن السمات التي توجد عادة في اللغة المنطوقة"، مميزًا هذه الأنظمة الرمزية عن الأبجديات الصوتية أو الرسومات الفكرية المرتبطة مباشرة بالتواصل اللفظي.
إن آثار هذا البحث بعيدة المدى. يمكن للفريق الآن البدء في تضييق النطاق الواسع للتفسيرات المحتملة لهذه العلامات القديمة، متجاوزين مجرد التعبير الفني نحو فهم أكثر تنظيماً لقصدها التواصلي. علاوة على ذلك، تؤكد هذه الاكتشافات بقوة القدرات المعرفية المتقدمة لبشر العصر الحجري، مما يدل على أن أسلافنا البعيدين امتلكوا قدرة على التفكير المجرد ومعالجة المعلومات المعقدة تشبه بشكل ملحوظ قدرة أحفادهم المعاصرين. واختتمت دوتكيفيتش قائلة: "لا يزال هناك عدد لا يحصى من تسلسلات العلامات التي لم يتم استكشافها بالكامل على هذه القطع الأثرية"، مشيرة إلى الإمكانات الهائلة للاكتشافات المستقبلية ورؤى أعمق في فجر الفكر والتواصل البشري.