القاهرة - وكالة أنباء إخباري
تُعد الأسماك المملحة، بمختلف أصنافها، من الأكلات الشعبية المتجذرة في الثقافة الغذائية المصرية، وتشهد رواجًا استثنائيًا مع اقتراب شهر رمضان المبارك. فمع حلول شهر شعبان، الذي يُعرف تقليديًا بـ "الشعبنة"، يتسابق المواطنون على اقتناء هذه الأطايب قبل بدء الصيام، في ظل عادة راسخة تقتضي الامتناع عن تناولها خلال الشهر الكريم. هذا الإقبال الموسمي يدفع عجلة الانتعاش في محال بيع الأسماك المملحة، التي تستعد مبكرًا لتلبية الطلب المتزايد، مع عرض تشكيلة واسعة من الأصناف لتناسب شتى الأذواق والميزانيات.
ذروة الإقبال وتغيرات الأذواق
تشهد أسواق الأسماك المملحة حالة من الحراك التجاري النشط منذ الأيام الأولى لشهر شعبان، ومن المتوقع أن يستمر هذا الزخم حتى الأيام القليلة التي تسبق رمضان، وربما يمتد إلى الأيام الأولى منه قبل أن يستعد أصحاب المحال لموسم عيد الفطر المبارك. هذا الانتعاش لا يقتصر على الكمية فحسب، بل يمتد ليشمل تنوعًا في الأذواق والمنتجات، وهو ما يؤكده الحاج أحمد البرنس، صاحب أحد أشهر محال بيع الأسماك المملحة في منطقة محطة مصر بوسط الإسكندرية.
اقرأ أيضاً
- نيك فولتماده في إيطاليا: يوفنتوس ينهي إجراءات ضم المهاجم الألماني على سبيل الإعارة
- جوليان ألفاريز يحسم قراره النهائي: استمرار مع أتلتيكو مدريد وتبدد آمال برشلونة
- رافينيا يتألق مهاجمًا لبرشلونة: هل يحافظ على صدارة الهجوم رغم وصول غابرييل خيسوس؟
- طموح بلا حدود: الأسباب الحقيقية وراء انزعاج لامين يامال نجم برشلونة
- الجدعان يترأس وفد السعودية في اجتماع وزراء مالية ومحافظي بنوك مجموعة العشرين لمناقشة تحديات الاقتصاد العالمي
يشير البرنس إلى خصوصية الذوق السكندري في التعامل مع الفسيخ والأسماك المملحة، مؤكدًا أنه يختلف بشكل واضح عن باقي المحافظات. ويوضح أن الغالبية العظمى من زبائنه في الإسكندرية تفضل الفسيخ منخفض الملوحة بدرجة كبيرة، أو ما يُعرف بـ "الفسيخ زيرو ملح"، على عكس الشائع في بعض المناطق الأخرى التي تميل إلى الفسيخ شديد الملوحة. ويؤكد أن ما يقرب من 95% من المستهلكين في الإسكندرية يبحثون عن هذه الدرجة من الملوحة المخفضة، مشددًا على أن المنتج لا يُقدم نيئًا بل يخضع لعمليات تمليح وتصنيع صحية وآمنة تمامًا، ملتزمًا بتعليمات وزارة الصحة التي تشترط عدم إخراج الفسيخ من البراميل قبل مرور شهر كامل على تصنيعه. بينما لا تتجاوز نسبة من يفضلون الفسيخ الأكثر ملوحة الـ 5%.
تنوع المنتجات ومعايير الجودة
في سبيل تلبية هذه الأذواق المتنوعة، يحرص الحاج البرنس على تقديم تشكيلة واسعة من المنتجات. فبالإضافة إلى الفسيخ، يوفر الملوحة مع تجهيزها وتقشيرها لتسهيل عملية تناولها على الزبائن، خاصة وأن جلدها قد يكون صعب الإزالة رغم طراوة اللحم. كما يولي أهمية كبيرة لموسم الأسماك، مؤكدًا أن أشهر الشتاء، وتحديدًا ديسمبر ويناير وفبراير ومارس، تُعد الفترة المثالية لتناول الأسماك المملحة وبطارخ الرنجة، لما تتميز به الأسماك خلال هذه الفترة من جودة عالية ودسامة.
لم يغفل الحاج البرنس عن الابتكار في ظل التحديات الاقتصادية، حيث كشف عن تطوير بدائل محلية للأنشوجة المستوردة التي ارتفعت أسعارها بشكل كبير، إذ يصل سعر العبوة الصغيرة المستوردة إلى نحو 90 جنيهًا لوزن لا يتجاوز 50 جرامًا. وقد نجح في تصنيع السردين المحلي وتحويله إلى سردين مخلي وأنشوجة ذات جودة عالية وطعم يقترب بشدة من المنتج المستورد، مقدمًا حلًا اقتصاديًا دون المساس بالجودة. كما يشهد الفسيخ خفيف الملح، المعروف بـ "السميد"، إقبالًا متزايدًا، حيث يصفه الزبائن بأنه "بطعم الزبدة". ويتيح البرنس للعملاء تذوق السمك أكثر من مرة للوصول إلى الطعم المناسب، ثم يقوم بتنظيفه وتجهيزه بالكامل ليكون جاهزًا للأكل مباشرة.
الأسعار والتحديات الاستهلاكية
تتسم الأسعار بتنوع كبير لتناسب مختلف الشرائح، حيث تبدأ بعض أصناف الأسماك المملحة من 70 أو 80 جنيهًا، وقد تصل إلى 140 جنيهًا لأنواع أخرى. أما بطارخ الرنجة، فتتراوح أسعارها ضمن فئات متعددة، بينما تبدأ أسعار الرنجة المستوردة من 180 جنيهًا وتصل إلى 240 جنيهًا، تبعًا للنوع سواء كان يونانيًا أو من تصنيع أوروبي. ويؤكد البرنس أن الجودة العالية والالتزام الصارم بالمعايير الصحية يظلان حجر الزاوية في عمله لكسب ثقة الزبائن والحفاظ على سمعة محله.
الفسيخ.. بين العادة والمزاج الشخصي
من منظور المستهلك، يرى سعيد محمد، أحد المواطنين، أن الفسيخ يمثل أكلة مفضلة لديه على مدار العام، دون ارتباط بموسم معين. يقول محمد: «أنا بحب دايمًا آكل فسيخ، وبالنسبة للمواسم، ما عنديش ارتباط بشعبان أو غيره، أنا باكله طول السنة، خصوصًا لما بحس إن نفسي مسدودة عن الأكل أو شهيتي ضعيفة». لكن الوضع يختلف نسبيًا خلال شهر رمضان، حيث يقر محمد بصعوبة الإقبال عليه بسبب الصيام، مشيرًا إلى أن "الأكل في رمضان بيبقى له حسابات تانية".
ويضيف محمد أن العوامل الجوية تلعب دورًا محوريًا في اختيار نوعية الطعام، خاصة في رمضان. ففي الأجواء الحارة، تصبح المشروبات هي الأولوية بعد الإفطار، بينما تختلف العادات في الطقس البارد. ويختتم بالقول: «لو الجو حر، المشاريب بتبقى أهم حاجة، إنما لو الدنيا ساقعة بيبقى في شرب وحاجات تانية، وبرضه الفسيخ في رمضان بيبقى صعب شوية»، مؤكدًا أن هذه العادات الموسمية والشخصية تشكل جزءًا لا يتجزأ من ثقافة استهلاك الأسماك المملحة في مصر.