أوروبا - وكالة أنباء إخباري
البنوك الأوروبية تدعو إلى تقليل الاعتماد على Visa و Mastercard
في خطوة تعكس القلق المتزايد بشأن السيادة المالية الرقمية، وجهت رئيسة المبادرة الأوروبية للمدفوعات (EPI)، مارتينا فيمرت، دعوة صريحة للبنوك في جميع أنحاء أوروبا لتقليل اعتمادها بشكل كبير وسريع على خدمات الدفع الأمريكية العملاقة، Visa و Mastercard. جاءت هذه الدعوة، التي نقلتها صحيفة فاينانشيال تايمز (FT)، في وقت تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية، مما يثير تساؤلات حول إمكانية استخدام هذه المنصات كوسيلة ضغط أو عقوبة ضد الاتحاد الأوروبي في حال تدهورت العلاقات مع الولايات المتحدة.
وأوضحت فيمرت أن أوروبا تمتلك بالفعل حلول دفع محلية، لكنها تفتقر إلى خدمات ذات نطاق دولي لتنافس بقوة المنصتين الأمريكيتين. هذا النقص في البدائل العالمية يضع البنوك الأوروبية في موقف هش، حيث يعتمد جزء كبير من المعاملات اليومية على بنية تحتية أمريكية.
اقرأ أيضاً
- فريق عمل منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة بمجلس الوزراء يستجيب لاستغاثة شاب من دمنهور لإنقاذ حياة والدته
- رئيس الوزراء يتابع مستجدات إعداد برنامج التحول الاقتصادي الوطني
- وزير التموين يبحث مع وفد البنك الإسلامي للتنمية والمؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة التوسع في تمويل مشروعات استراتيجية لتعزيز الأمن الغذائي
- الرئيس السيسى يشهد حفل تخرج الدورة رقم (٦) للجهات والهيئات القضائية من الأكاديمية العسكرية المصرية
- الكونغرس الأمريكي يتهم الملياردير ليون بلاك بـ"ازدراء السلطة التشريعية" في قضية إبستين
يشهد قطاع المدفوعات في أوروبا تحولاً ملحوظاً، حيث تتراجع حصة النقد في المعاملات بشكل مستمر. وفي محاولة لسد هذه الفجوة وتعزيز الاستقلال المالي، أطلقت البنوك الأعضاء في مبادرة EPI منتجاً جديداً يُعرف باسم "Wero"، والذي يُنظر إليه على أنه منافس مباشر لخدمات مثل Apple Pay. ومع ذلك، ترى فيمرت أن هذه الخطوة، رغم أهميتها، لا تزال غير كافية لمواجهة التحدي المطروح.
تكمن الصعوبة الرئيسية في توسيع نطاق هذه الأدوات الخاصة لتصبح قادرة على المنافسة عالمياً. ولذلك، تم طرح فكرة استخدام اليورو الرقمي كآلية دفع محتملة. ومع ذلك، يواجه هذا المقترح مقاومة من قبل بعض البنوك، التي ترى أن آلية اليورو الرقمي قد تتداخل وظيفياً مع "Wero" دون أن تقدم للمستخدمين فوائد إضافية ملموسة، مما قد يؤدي إلى تشتيت الجهود وإرباك السوق بدلاً من توحيدها.
تأتي هذه الدعوات في وقت تتكشف فيه الأرقام المالية لشركات معالجة المدفوعات الكبرى. فقد حققت Mastercard، على سبيل المثال، أرباحاً قياسية في الربع الأخير من عام 2025، حيث بلغت حوالي 8.81 مليار دولار، متجاوزة توقعات المحللين التي كانت عند 8.78 مليار دولار. وبلغت إيراداتها السنوية ما يقرب من 33 مليار دولار، مسجلة زيادة بنسبة 16% عن العام السابق. هذه الأرقام تعكس القوة السوقية الهائلة لهذه الشركات، وتبرز التحدي الكبير الذي يواجه أي محاولة لتقليص هيمنتها.
إن النقاش حول تقليل الاعتماد على Visa و Mastercard ليس مجرد مسألة تقنية أو اقتصادية، بل هو أيضاً مسألة استراتيجية وجيوسياسية. ففي عالم تتزايد فيه التهديدات السيبرانية والحروب التجارية والعقوبات الاقتصادية، يصبح الاعتماد المفرط على أنظمة دفع تسيطر عليها دولة أجنبية مصدر قلق كبير. يمكن لهذه الأنظمة أن تُستخدم كسلاح لاستهداف المصالح الأوروبية، إما من خلال حجب المعاملات، أو فرض قيود، أو حتى جمع بيانات حساسة قد تُستغل ضد الاتحاد.
تاريخياً، كانت Visa و Mastercard تسيطران على سوق المدفوعات الإلكترونية العالمية لعقود من الزمن، وذلك بفضل شبكتهما الواسعة، وتقنياتهما المتطورة، وعلاماتهما التجارية القوية. ومع ذلك، فإن التطورات الأخيرة، مثل زيادة الوعي بالخصوصية، والتوترات الجيوسياسية، ورغبة الحكومات في تعزيز سيادتها الرقمية، قد فتحت الباب أمام بدائل جديدة. مبادرة EPI وخدمة "Wero" هما مثالان على هذه الجهود المبذولة لتوفير بنية تحتية دفع أوروبية مستقلة.
لكن التحدي لا يقتصر على تطوير التقنية، بل يمتد ليشمل بناء الثقة لدى المستهلكين والبنوك، وتوسيع الشبكة لتشمل أكبر عدد ممكن من التجار ومقدمي الخدمات، وضمان الأمان والكفاءة على قدم المساواة مع المنافسين الحاليين. كما أن هناك حاجة إلى تشريعات وسياسات داعمة من قبل الاتحاد الأوروبي لتشجيع استخدام هذه البدائل المحلية، وربما فرض بعض القيود على هيمنة اللاعبين الدوليين في مجالات معينة.
إن النقاش حول اليورو الرقمي يضيف بعداً آخر لهذه الاستراتيجية. فبينما يرى البعض فيه فرصة لتعزيز الاستقلال المالي وتوفير وسيلة دفع حديثة وآمنة، يخشى آخرون من تعقيداته المحتملة، وتأثيره على النظام المصرفي الحالي، واحتمالية استخدامه في مراقبة المعاملات. يجب أن يتم تصميم اليورو الرقمي بعناية فائقة لضمان قبوله وتوافقه مع الأهداف الاستراتيجية لأوروبا.
في الختام، فإن دعوة فيمرت لتقليل الاعتماد على Visa و Mastercard هي دعوة استراتيجية ذات أبعاد متعددة. إنها تتطلب استثماراً كبيراً في البنية التحتية، وتطويراً مستمراً للتقنيات، وتعاوناً وثيقاً بين البنوك والمؤسسات التنظيمية، بالإضافة إلى حملات توعية للمستهلكين. النجاح في هذا المسعى لن يعزز فقط السيادة المالية الرقمية لأوروبا، بل سيساهم أيضاً في بناء اقتصاد رقمي أكثر مرونة وتنوعاً، أقل عرضة للضغوط الخارجية.