النمسا - وكالة أنباء إخباري
التاريخ العلمي: 'أبو علم الوراثة الحديث' يصف تجاربه على نبات البازلاء - ويكشف أن الوراثة تنتقل في وحدات منفصلة
في الثامن من فبراير عام 1865، وعلى الرغم من بساطة الحديقة التي احتضنت تجاربه، قدم جريجور مندل، وهو راهب أوغسطيني نمساوي، للعالم اكتشافاً سيغير مسار علم الأحياء إلى الأبد. في ذلك اليوم، قدم مندل نتائج أبحاله البحثية التي استمرت ثماني سنوات إلى جمعية التاريخ الطبيعي في برنو، موضحاً فيها ببراعة كيف أن الصفات الوراثية تنتقل عبر الأجيال في وحدات منفصلة، وهو المفهوم الذي سيصبح لاحقاً حجر الزاوية في علم الوراثة الحديث.
كان مندل، الذي قضى سنواته في دير القديس توما في برنو (والذي كان يُعرف آنذاك باسم برون)، قد كرس جهده لزراعة وتلقيح أكثر من 28,000 نبتة بازلاء (Pisum sativum). لم تكن هذه مجرد هواية، بل كانت سلسلة من التجارب المنهجية التي تهدف إلى فك رموز قوانين الوراثة. كان اهتمامه ينصب على فهم الآليات الأساسية التي تحدد كيف تنتقل السمات من الآباء إلى الأبناء، مثل لون الزهور (أبيض أو بنفسجي)، وشكل البذور (مستدير أو مجعد)، ولون البذور (أخضر أو أصفر).
اقرأ أيضاً
لم تكن رحلة مندل العلمية مفروشة بالورود. فقد واجه تشكيكاً وحتى سخرية من محيطه. يروي رسالة كتبها رئيس الدير، سيريل ناب، في عام 1859، كيف أن أسقف المنطقة ضحك عندما سمع عن تجارب مندل، متسائلاً عما إذا كان من اللائق لرجل بمؤهلاته الفكرية أن "يخوض في حقل بازلاء، ويتفحص الخصائص الجرثومية للبازلاء". اقترح الأسقف أن دراسة تكاثر البازلاء أقل جدارة بالاهتمام من دراسة كتابات آباء الكنيسة أو عقيدة النعمة، محذراً من أن الدير قد يصبح "محط سخرية الأبرشية".
لكن إصرار مندل لم يكن بدافع شغفه بالنباتات بحد ذاته، بل كان مدفوعاً برغبة عميقة في كشف المبادئ الأساسية للوراثة. لقد اختار نبات البازلاء بعناية فائقة لعدة أسباب وجيهة، كما أوضح في أطروحته عام 1866. أولاً، تتميز نباتات البازلاء بقدرتها على التكاثر بسرعة وسهولة، سواء في الأصص أو في الحديقة. ثانياً، تمتلك هذه النباتات سمات واضحة يمكن تتبعها عبر الأجيال، وهذه السمات كانت غالباً ما تكون متقابلة (مثل الزهور البيضاء مقابل البنفسجية)، وكانت الهجائن الناتجة خصبة تماماً، مما سمح بإجراء المزيد من التجارب عبر دورات متتالية. أخيراً، كانت نباتات البازلاء سهلة التحكم في تلقيحها، مما يقلل من احتمالية التلقيح العرضي بواسطة حبوب لقاح غريبة.
من خلال تسجيلاته الدقيقة وتحليلاته الإحصائية، بدأ مندل في ملاحظة أنماط ثابتة. لقد استنتج أن كل سمة وراثية تتحكم فيها "عاملان" (والذي نسميه الآن جينات)، يرث الفرد واحداً من كل والد. هذه العوامل لا تمتزج، بل تحتفظ بهويتها الخاصة. إذا كان لدى الفرد عاملين مختلفين لسمة معينة (على سبيل المثال، عامل للون الزهرة البنفسجي وعامل للون الزهرة الأبيض)، فإن أحد العوامل (السائد) سيظهر الصفة، بينما يظل العامل الآخر (المتنحي) مخفياً. وعندما تنتقل هذه العوامل إلى الجيل التالي، فإنها تنفصل بشكل مستقل، مما يؤدي إلى ظهور نسب محددة من الصفات في النسل. هذه هي القوانين الأساسية للتوزيع المستقل والانفصال التي وضعها مندل.
لقد أدت اكتشافات مندل، التي تم نشرها في مجلة علمية محلية، إلى جانب تجاربه، إلى وضع الأسس لما نعرفه اليوم بعلم الوراثة. لقد أظهر أن الوراثة ليست عملية خلط عشوائي، بل تتبع قواعد رياضية دقيقة. على الرغم من أن عمله لم يحظ بالتقدير الواسع خلال حياته، إلا أنه أعيد اكتشافه في أوائل القرن العشرين، مما أحدث ثورة في فهمنا للبيولوجيا والتطور. اليوم، يُحتفى بـ "أبو علم الوراثة الحديث"، جريجور مندل، كواحد من أهم العلماء في التاريخ، حيث ألهمت تجاربه البسيطة على نباتات البازلاء عقوداً من البحث العلمي وفتحت الباب أمام فهم أعمق للصحة والمرض والتنوع البيولوجي.