القاهرة - وكالة أنباء إخباري
في تطور لافت يُعيد تشكيل موازين التحالفات الإقليمية، عزّز الجيش السوداني تعاونه مع حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، من خلال محادثات عسكرية وأمنية مفاجئة جرت في العاصمة طرابلس. هذه الخطوة، التي وصفتها مصادر مطلعة بأنها "مهمة"، تأتي في سياق إقليمي مضطرب، وتُشير إلى تحول في الديناميكيات الهادفة لمواجهة التحديات الأمنية المشتركة، لا سيما في ظل الحرب الأهلية الدائرة في السودان والاتهامات الموجهة لجهات ليبية بدعم أطراف النزاع.
قمة أمنية في طرابلس: تعزيز الشراكة العسكرية
أعلنت رئاسة الأركان العامة التابعة لقوات حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية، يوم الأحد، عن استقبال رئيس الأركان الفريق أول صلاح النمروش، مدير الاستخبارات العسكرية للقوات المسلحة السودانية، الفريق محمد علي صبير، والوفد المرافق له. وقد خُصص هذا "الاجتماع رفيع المستوى" لبحث سبل تعزيز التعاون العسكري والأمني بين البلدين الشقيقين، وفقًا للبيان الصادر. وشملت المحادثات تبادل المعلومات والتنسيق الأمني لتعزيز قدرة المؤسستين العسكريتين على مواجهة التحديات، بالإضافة إلى توسيع برامج التدريب العسكري وتبادل الخبرات لرفع الكفاءة وتعزيز الجاهزية ضمن شراكة استراتيجية تعكس متانة العلاقات الثنائية وتطلعاتها نحو مزيد من التعاون البنّاء.
اقرأ أيضاً
- ارتفاع ضحايا غرق عبارة في بحيرة كاريبا بزيمبابوي إلى 44 قتيلاً
- سنغافورة وكوريا الجنوبية تسحبان توابل " تريدر جو " لاحتوائها على بذور الخشخاش
- فوز ديفيد كرولي في ويسكونسن يوقف زخم اليسار الديمقراطي
- وفاة تشو رونغجي: مهندس نهضة الصين الاقتصادية وعملاق التجارة العالمية
- الدانوب يكشف أسراره: رفات جنود ودراجة نارية ألمانية من الحرب العالمية الثانية تظهر مع انخفاض منسوب المياه
وتأتي هذه اللقاءات في خضم انقسام سياسي وعسكري حاد تشهده ليبيا، بين حكومة «الوحدة الوطنية» في الغرب، و«الجيش الوطني» الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر الذي يسيطر على الشرق. ويواجه حفتر اتهامات متكررة بـ"التعاون" مع «قوات الدعم السريع» السودانية بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، المتورطة في الصراع الدائر بالسودان. فقد أشارت تقارير سابقة، منها ما نقلته وكالة «رويترز» في ديسمبر الماضي، إلى استخدام مهبط الطائرات في مطار الكفرة، جنوب شرق ليبيا، كـ"منصة لوجستية" لتعزيز سيطرة «الدعم السريع» على مدينة الفاشر السودانية، وهي اتهامات تجاهلت القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي التعليق عليها، مؤكدةً في وقت سابق نفي أي دعم لـ«الدعم السريع» ومشددة على استعدادها للوساطة بين الأطراف السودانية.
خلفيات دبلوماسية وتحركات استراتيجية
لم تكن هذه الزيارة الأولى من نوعها التي تشهدها العلاقات الليبية-السودانية على هذا المستوى. ففي 26 فبراير 2024، أجرى رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، أول زيارة رسمية له إلى العاصمة الليبية طرابلس، التقى خلالها رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي. وتناولت المباحثات الثنائية حينها سبل تعزيز العلاقات الثنائية الممتدة ودعمها وتطويرها، واتفق الجانبان على تبادل الوفود وتفعيل الاتفاقات الموقعة، فضلاً عن بحث قضايا مشتركة تهدف إلى "إحلال السلام والاستقرار في السودان والمنطقة".
وقد أكد الفريق أول صلاح النمروش، في لقاء الأحد، على "عمق الروابط التاريخية والعلاقات الراسخة التي تجمع الشعبين الليبي والسوداني"، مشدداً على "أهمية تطوير التنسيق المشترك بما يخدم مصالح البلدين ويسهم في دعم الأمن والاستقرار في المنطقة". هذه التصريحات تعكس إدراكاً مشتركاً للمخاطر التي تحدق بالمنطقة نتيجة للنزاعات المستمرة، وتبرز الرغبة في بناء جبهة موحدة لمواجهة التحديات الأمنية، وفي مقدمتها تداعيات الصراع السوداني.
في هذا السياق، ينظر مصدر مقرب من حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى هذا الاجتماع على أنه "تحرك مهم من جانب الجيش السوداني في مواجهة «الدعم السريع» الذي يستفيد من حالة الانقسام العسكري والأمني في ليبيا". هذا التصريح يكشف عن البعد الاستراتيجي لهذه المحادثات، حيث تسعى القوات المسلحة السودانية إلى حرمان «الدعم السريع» من أي دعم لوجستي أو عسكري محتمل من الأراضي الليبية، لا سيما في المناطق التي قد تكون عرضة لذلك.
السودان: أزمة اقتصادية خانقة تُفاقم المعاناة
في المقابل، تستمر رحى الحرب في السودان في حصد الأرواح وتدمير مقومات الحياة، دافعة بالبلاد نحو هاوية أزمة اقتصادية غير مسبوقة. فقد عصفت موجة غلاء طاحنة بالأسواق السودانية، بعد أسبوع واحد من ارتفاعات جنونية في أسعار الوقود، مما ترك المواطن العادي يرزح تحت وطأة أعباء معيشية ثقيلة. شهدت أسعار الخبز قفزة كبيرة، حيث أصبح سعر الرغيف الواحد 50 جنيهاً، وبلغ سعر أربعة أرغفة 1000 جنيه سوداني، أي ما يزيد على دولارين أمريكيين في السوق الموازية، في ظل تدهور قياسي لقيمة الجنيه السوداني الذي وصل سعر الدولار فيه إلى 3500 جنيه.
وعزا المتحدث باسم «اتحاد أصحاب المخابز»، عصام الدين عكاشة، هذه الزيادة إلى تأثر البلاد بارتفاع أسعار الوقود عالمياً، عازياً ذلك إلى الصراعات الإقليمية. وقال إن هذه الأوضاع تسببت في ارتفاع تكاليف النقل الداخلي، مما أدى بدوره إلى ارتفاع أسعار الدقيق ومستلزمات إنتاج الخبز الأخرى. وأشار إلى أن أصحاب المخابز يخشون من زيادات أكبر في التكاليف قد تدفعهم لبيع ثلاثة أرغفة فقط بـ 1000 جنيه في حال استمرار الأوضاع الراهنة. كما يواجه أصحاب المخابز مشكلات مستمرة في استقرار التيار الكهربائي، مما يضطرهم لاستخدام الحطب لتشغيل المخابز أحياناً، بعد توقف الإنتاج المحلي للقمح منذ أبريل 2023 وزيادة الاعتماد على الاستيراد.
خبراء اقتصاديون، مثل محمد الناير، أرجعوا ارتفاع أسعار الوقود والسلع الغذائية إلى تأثر السودان بزيادة أسعار النفط عالمياً جراء الصراع في المنطقة، بالإضافة إلى استمرار الحرب الداخلية وتدهور الجنيه السوداني. وقال الناير إن هذه الزيادات تشكل عبئاً إضافياً على المواطن السوداني المنهك من الحرب، وستؤدي إلى ارتفاع نسبة التضخم بقوة، مما ينعكس سلباً على أسعار السلع الأساسية. فقد ملايين السودانيين وظائفهم ومصادر دخلهم، مما دفعهم إلى أوضاع اقتصادية قاسية، تزيدها قسوة التحذيرات الأممية من خطر المجاعة الذي يهدد أكثر من خمسة ملايين سوداني، بينما يعاني 18 مليوناً آخرون من مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي.
تداعيات إقليمية ومستقبل غامض
تُظهر هذه التطورات مدى ترابط الأزمات في المنطقة، حيث تتداخل الصراعات الداخلية في بلد مع الديناميكيات الإقليمية المعقدة. فبينما يسعى الجيش السوداني لتعزيز جبهته الأمنية الخارجية لمواجهة التهديدات، يواجه في الداخل تحديات معيشية وإنسانية غير مسبوقة. الشراكة المتجددة مع حكومة الوحدة الوطنية الليبية قد تمثل محاولة لتشكيل محور إقليمي جديد يسعى لتحقيق الاستقرار، إلا أن نجاحه سيعتمد على قدرة الأطراف على تجاوز الانقسامات الداخلية، ومواجهة التدخلات الإقليمية، وتقديم حلول ملموسة للأزمات الإنسانية والاقتصادية التي تعصف بشعوب المنطقة، بما يعكس تطلعات شعوبها نحو السلام والأمن والتنمية.
أخبار ذات صلة
- شراكة استراتيجية بين "جي 42" و"بوبليسيس سابينت" لتعزيز الذكاء الاصطناعي في الاقتصادات الناشئة
- الذكاء الاصطناعي يقلص زمن الاختراق السيبراني إلى دقائق.. و"كراود سترايك" تحذر من سباق تسلح جديد
- «أكسنتشر» تفتتح مركزاً عالمياً للابتكار بالرياض لدعم رؤية السعودية 2030
- سامبا نوفا تطلق شرائح «SN50» للذكاء الاصطناعي وتعلن عن تحالف استراتيجي مع إنتل وتمويل يتجاوز 350 مليون دولار
- رمضان والألعاب الإلكترونية: دليل إخباري لاختيارات متوازنة خلال الشهر الفضيل