دولي - وكالة أنباء إخباري
الحرب والقمع والخوف: الصدمات تتراكم على الإيرانيين وتداعياتها النفسية العميقة
يواجه المواطنون الإيرانيون واقعاً معيشياً صعباً يتسم بالتهديدات الأمنية، والقمع الحكومي المستمر، والضغوط الاقتصادية الخانقة. هذه العوامل المتضافرة تخلق بيئة مواتية لتراكم الصدمات النفسية، مما يترك آثاراً عميقة على الصحة العقلية للأفراد والمجتمع ككل. إن التعرض المستمر للعنف والاضطرابات السياسية والاقتصادية يهدد النسيج الاجتماعي والنفسي للملايين.
في ظل التصعيد الإقليمي، حيث تستهدف الهجمات أحياناً طهران ومناطق أخرى في إيران، يعيش السكان حالة من القلق الدائم. وقبل اندلاع التوترات الأخيرة، شهدت البلاد احتجاجات واسعة ضد النظام الثيوقراطي، قوبلت بقمع وحشي. فقدت آلاف الأرواح في سبيل المطالبة بالحرية والديمقراطية، مما خلف ندوباً عميقة في الذاكرة الجماعية والفردية. يرزح الإيرانيون تحت قيود حكومية صارمة لا تتسامح مع أي انحراف عن تفسيرها للإسلام، وتفرض قواعد لباس صارمة على النساء في الأماكن العامة، مع عقوبات شديدة على أي مخالفة. وتزيد العقوبات الدولية المفروضة على إيران من تفاقم الوضع الاقتصادي، مما يؤثر سلباً على حياة الكثيرين.
اقرأ أيضاً
تؤكد عالمة النفس دانا شربجي، الباحثة في آثار الحرب والنزوح على الصحة النفسية بجامعة مونستر الألمانية، أن «معدل الإصابة بالحالات الصحية النفسية – لا سيما اضطراب ما بعد الصدمة، واضطرابات القلق، والاكتئاب – يكون أعلى بين الأشخاص الذين يتعرضون للعنف بشكل مزمن». وتضيف أن الأفراد المتأثرين يشهدون «تحولاً في تصورهم لمدى أمان العالم وكيفية رؤيتهم لحياتهم الخاصة».
إن العيش في ظل الخوف والجوع والبرد يقلل بشكل كبير من قدرة الفرد على تحمل الإجهاد، مما يجعل النزاعات الطفيفة في الحياة الشخصية تتصاعد بسرعة. بالنسبة لأولئك الذين يواجهون شكوكاً وجودية، مثل انقطاع التيار الكهربائي ونقص الغذاء وفقدان الاتصال الرقمي، تصبح الاحتياجات الأساسية هي الأولوية القصوى. تشير شربجي إلى أن «عندما لا يتم تلبية هذه الاحتياجات الأساسية، تزداد حالات العنف داخل الأسرة»، مما «يضر بالعلاقات الاجتماعية التي تعد العامل الأول في المرونة النفسية».
بمعنى آخر، الأشخاص الذين يتمتعون بعلاقات اجتماعية مستقرة ولديهم من يثقون بهم، يكونون أقل عرضة للإصابة باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD). وغياب هذا العامل الوقائي يزيد من خطر الإصابة بالحالة. في المواقف العصيبة الحادة، لا تظهر أعراض اضطراب ما بعد الصدمة على العديد من الأشخاص لأن أدمغتهم تكون في وضع البقاء على قيد الحياة. عندما يضطرون للفرار من وطنهم لإنقاذ أنفسهم وأحبائهم، يركزون على الطوارئ الفورية. عادة ما يتطور اضطراب ما بعد الصدمة لاحقاً، كما أوضحت شربجي، «عندما يحاول الدماغ التعامل مع الماضي، تظهر أعراض اضطراب ما بعد الصدمة. وهذه الأعراض تعيق جهود الشخص لإعادة بناء رفاهيته بعد تجربة اللجوء».
تشمل سلوكيات وأعراض اضطراب ما بعد الصدمة الشائعة: ردود فعل مفرطة على محفزات معينة (مثل الاختباء عند سماع الألعاب النارية)، واستعادة الذكريات المؤلمة (Flashbacks) التي تشعر وكأنها تحدث من جديد، وتغير في العقلية نحو عدم الثقة والتشاؤم، والشعور بالذنب الشديد أو ما يعرف بـ«ذنب الناجي»، بالإضافة إلى اضطرابات النوم وصعوبة التركيز. في البيئات التي لا يستطيع فيها المتضررون التحدث بصراحة عن مشاكل الصحة النفسية، يتجلى الإجهاد النفسي أيضاً جسدياً، على شكل صداع وآلام في الظهر وتشنجات حيض وإرهاق.
توضح عالمة النفس السريري ريتا روزنر أن «الاضطهاد السياسي [للمعارضين] في إيران مستمر منذ فترة طويلة جداً. ويتم قمع الاحتجاجات ضد النظام مراراً وتكراراً بعنف»، مما يجعل الإيرانيين «يتأثرون بشكل مباشر بهذا الوضع الصادم طويل الأمد». إن حالة القتال أو الهروب المستمرة هذه يمكن أن تكون مصدراً أكبر للتوتر من تجربة صدمة واحدة، مثل حادث سيارة خطير. تؤكد روزنر أن «الأحداث لمرة واحدة تقل احتمالية أن تتطور ردود فعل الإجهاد عنها»، بينما «مع كل حدث [صادم] يضاف إلى المزيج، يصبح القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة أكثر احتمالاً».
تتفق شربجي على أن تضافر التجارب الصادمة – كما يحدث لمن يعيشون في مناطق الحرب – أمر خطير، «خاصة عندما تتأثر مجالات متعددة من الحياة». فالشخص الذي يتعرض، بالإضافة إلى القصف والقمع السياسي، للعنف المنزلي والتحرش الجنسي في العمل، على سبيل المثال، يكون عرضة بشكل خاص لاضطراب ما بعد الصدمة.
يمكن علاج حالات مثل اضطراب ما بعد الصدمة من خلال الدعم النفسي الاجتماعي، الذي يشمل العلاج الجماعي أو الفردي مع متخصصي الصحة النفسية. كما يمكن للبيئة الاجتماعية أن تلعب دوراً داعماً. أشارت شربجي إلى تدريب الأطباء المحليين والمعلمين والقادة الدينيين لدعم مرضاهم ومن هم تحت رعايتهم في التعامل مع الصدمات. وعندما لا يتوفر الدعم الشخصي – لأسباب أمنية أو نقص المتخصصين – تتوفر موارد عبر الإنترنت. تشير روزنر إلى منظمة الصحة العالمية (WHO)، التي تقدم وثيقة بعنوان «إدارة المشكلات بلس» بـ 23 لغة، مصممة لمساعدة الناس على التعامل مع المواقف العصيبة.
قد تخفف هذه الخطوات من الأعراض، لكن لا يمكن لأي من هذه الأساليب أن تمحو التجارب الصادمة للحرب من الذاكرة. تختتم شربجي قائلة: «لا يمكن افتراض أن ما حدث يمكن التراجع عنه. لكن غالبية الناس يمكن أن يعيشوا حياة مُرضية مرة أخرى».
أخبار ذات صلة
- بابا فانجا وتنبؤاتها المثيرة للجدل: نهاية العالم في عام 5079؟
- تموين القليوبية تشديد الرقابة على توزيع اسطوانات الغاز
- مصر: الإصلاح الاقتصادي، السياسة الخارجية، وجدل الفتاوى... أبرز ملفات برامج 'التوك شو'
- إحباط تشكيل عصابي يستغل تطبيقات الهواتف للترويج للأعمال المنافية للآداب
- هجوم مسيرات أوكرانية على خيرسون: 24 قتيلاً وعشرات المصابين في احتفالات رأس السنة