إخباري
الخميس ٩ يوليو ٢٠٢٦ | الخميس، ٢٤ محرم ١٤٤٨ هـ
عاجل

الحقن والمكياج والتوتر: الدين الجديد للجمال

كيف يتجاوز السعي للكمال الجمالي حدود العناية الشخصية ليصبح ظ

الحقن والمكياج والتوتر: الدين الجديد للجمال
عبد الفتاح يوسف
2026-02-01 14:08
1

ألمانيا - وكالة أنباء إخباري

الحقن والمكياج والتوتر: الدين الجديد للجمال

في عالم يتسارع فيه إيقاع الحياة وتتزايد الضغوط، يبدو أن السعي نحو الكمال الجمالي قد تحول من مجرد روتين عناية شخصية إلى عقيدة راسخة، أو "دين جديد" للجمال، يلتزم به الملايين حول العالم. لم يعد الأمر يتعلق فقط بالمظهر الخارجي، بل امتد ليشمل شعوراً بالأمان والثقة بالنفس، وربما حتى وسيلة للتكيف مع متطلبات الحياة الحديثة.

تتجسد هذه الظاهرة بوضوح في قصة صوفيا، فتاة تبلغ من العمر 17 عاماً، تقضي ساعتين يومياً في الصباح الباكر، غالباً ما تبدأ قبل الخامسة والنصف صباحاً، لتطبيق روتين مكياج معقد. يبدأ هذا الروتين بوضع سيروم مرطب باستخدام قطارة، يليه سيروم فيتامين سي، ثم كريمين للبشرة، وواقي الشمس. بعد ذلك، تستخدم الإسفنجة لدمج كريم الأساس، ثم خافي العيوب حول العينين وجانبي الأنف، وتحديد خطوط الوجه باستخدام قلم تحديد بلون بني، ووضع أحمر الخدود بدرجتين فوق الوجنتين، وأخيراً تثبيت كل شيء بالبودرة. لا يكتمل المشهد دون تمشيط الحواجب وصبغها، ورسم خطوط بالآيلاينر، ووضع عدة طبقات من الماسكارا، وإضافة لمسات من الهايلايتر. وتختتم بوضع قلم أحمر شفاه وقناع مرطب للشفاه. "ورذاذ التثبيت، هذا مهم جداً"، هكذا تعلق صوفيا، مؤكدة على أهمية اللمسة النهائية التي تمنحها شعوراً بالجاهزية لمواجهة يومها. إنها تستخدم 20 منتجاً وسبع فراشي لتحقيق هذا المظهر المثالي.

تقول صوفيا: "فقط عندما أعمل بجد على نفسي وأبدو مثالية، أشعر بأنني مسلحة لليوم". هذه الحاجة إلى الشعور بالأمان من خلال المظهر المثالي ليست قاصرة على صوفيا وحدها، بل تمثل ظاهرة واسعة النطاق. فملايين الأشخاص حول العالم، وخاصة الشابات، يعتمدون على هذا الروتين المكثف لتشكيل مظهرهم كأعمال فنية، موجهين بعضهم البعض عبر منصات التواصل الاجتماعي لتطوير "أفضل نسخ" من أنفسهم.

لكن هذه الظاهرة لا تقتصر على الشباب فقط. فبينما لطالما اعتُبرت النساء المجموعة الأكثر تركيزاً على المظهر، نظراً لكونهن غالباً ما يُقيمن بناءً على مظهرهن، فإن قصة صوفيا تمثل تطوراً مجتمعياً أشمل. أصبح المظهر يلعب دوراً محورياً في الحياة اليومية. تشير دراسة شملت حوالي 93,000 مشارك من 93 دولة إلى أن الأفراد يقضون ما معدله أربع ساعات يومياً في العناية بمظهرهم، بما في ذلك تطبيق المكياج، وتصفيف الشعر، والنظافة الشخصية، وحتى التمارين الرياضية التي تُجرى بهدف تحسين المظهر. وبينما تقضي النساء وقتاً أطول بقليل، حوالي 24 دقيقة إضافية في المتوسط يومياً، مقارنة بالرجال، فإن هذا الاهتمام بالمظهر أصبح سمة عامة.

في هذا السياق، ليس من المستغرب أن تصبح صناعة الجمال والعناية الشخصية ذات أهمية اقتصادية تضاهي صناعات حيوية مثل النفط والغاز أو صناعة السيارات. بل إن التوقعات تشير إلى أن صناعة الجمال ستشهد نمواً أكبر من صناعة السيارات في العقد القادم. تقدر شركة الاستشارات الإدارية "ماكينزي" قيمة سوق الجمال (باستثناء العناية الصحية) بـ 580 مليار دولار، وتتوقع نمواً بنسبة ستة بالمائة بحلول عام 2027. وفي ألمانيا، لم ينفق المستهلكون على مستحضرات التجميل كما يفعلون اليوم. كما أنهم أصبحوا أكثر استعداداً للحصول على "مساعدة طبية" لتحسين مظهرهم. على الرغم من أن الإجراءات التجميلية في ألمانيا قد تكون أكثر تكلفة مقارنة بدول أخرى مثل تركيا بسبب المعايير الطبية العالية، إلا أن ألمانيا لا تزال تحتل مرتبة متقدمة في أوروبا من حيث الإقبال على هذه الإجراءات، مثل عمليات تكبير الثدي، وحقن البوتوكس، وشد الجفون العلوية، وحشوات التعبئة.

هذا التحول نحو "الدين الجديد للجمال" يطرح تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراءه. هل هو ضغط اجتماعي متزايد، أم تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، أم رغبة فطرية في التحسين المستمر؟ يبدو أن الأمر مزيج معقد من هذه العوامل. فمن ناحية، تخلق المنصات الرقمية صورة مثالية غير واقعية للجمال، مما يولد شعوراً بعدم الرضا لدى الكثيرين. ومن ناحية أخرى، تقدم هذه المنصات أيضاً أدوات تعليمية ووصفات لتحقيق هذا الكمال، مما يخلق دورة مستمرة من السعي والرغبة. كما أن التطورات التكنولوجية في مجال مستحضرات التجميل والإجراءات الطبية جعلت الوصول إلى "الجمال المثالي" أسهل وأكثر فعالية من أي وقت مضى.

لكن هذا السعي الدؤوب للكمال قد يكون له ثمن. فالوقت والمال والموارد التي تُنفق على هذه الطقوس الجمالية يمكن أن تكون كبيرة. بالإضافة إلى ذلك، فإن التركيز المفرط على المظهر قد يؤدي إلى مشاكل نفسية مثل القلق، وتدني احترام الذات، واضطرابات الأكل. كما أن الإجراءات التجميلية، رغم جاذبيتها، تحمل مخاطر صحية محتملة. من الضروري تحقيق توازن بين العناية بالمظهر والصحة النفسية والجسدية، وإدراك أن الجمال الحقيقي ينبع من الداخل، وأن الكمال هو مفهوم نسبي ومتغير.

في نهاية المطاف، تعكس ظاهرة "الدين الجديد للجمال" تحولاً أعمق في القيم المجتمعية، حيث أصبح المظهر الخارجي مؤشراً قوياً على النجاح والقيمة الذاتية. وبينما تستمر صناعة الجمال في النمو والازدهار، يبقى التحدي هو كيفية التنقل في هذا المشهد المعقد بطريقة صحية ومتوازنة، تحتفي بالجمال دون أن تجعله سداً منيعاً أمام تحقيق الذات.

الكلمات الدلالية: # الجمال، المكياج، العناية بالبشرة، الإجراءات التجميلية، وسائل التواصل الاجتماعي، الثقة بالنفس، صناعة الجمال، المظهر، الكمال، الصحة النفسية