(الخليل - إخباري):
تتسارع وتيرة الأحداث في الضفة الغربية على نحو لا يتيح قراءة كل واقعة بمعزل عن الأخرى. فاعتداءات المستوطنين تتصاعد بشكل لافت، حيث يُمنع المزارعون من الوصول إلى أراضيهم، ويتعرض الصحفيون والدبلوماسيون للهجوم. وفي المقابل، تتخذ دول إجراءات بحق مستوطنين ومنظمات تدعمهم، بينما تعلن دول أخرى قيوداً على التجارة مع المستوطنات.
لكن إسرائيل تمضي في سياساتها بوتيرة متسارعة؛ فالاستيطان يتوسع بمعدلات غير مسبوقة. ولم يعد هذا التوسع محصوراً في مناطق "ج"، بل صدر أمر بالاستيلاء على أراضٍ في منطقة "أ"، وتتقدم البؤر الاستيطانية نحو مناطق "أ" و"ب"، ويهدد مشروع "إي1" بقطع التواصل بين القدس وبقية الضفة الغربية. هكذا تتآكل عملياً الحدود التي رسمها اتفاق أوسلو بين مناطقه الثلاث، وكأنها لم تعد قادرة على تقييد تمدد السيطرة الإسرائيلية. مع كل خطوة، تفرض إسرائيل واقعاً جديداً، وتستغل أي حادثة لتوسيع إجراءاتها، حتى إن ردّها يتجاوز الواقعة وأصحابها إلى أحياء وسكان لا صلة لهم بها.
اقرأ أيضاً
- اختراق ضخم يضرب "بينانس": تجميد أصول بمليارات الدولارات لوقفنزيف الخسائر
- وزير التموين يعقد مباحثات مع وزيرة الزراعة الروسية لتعزيز التعاون في مجالات الحبوب والأمن الغذائي
- رئيس الوزراء يفتتح المرحلة الأولى من مستشفى السويس الجامعي
- رئيس الوزراء يفتتح مصنع إنتاج وتجميع الطلمبات الرقمية بمحطات الوقود وعدادات الغاز الذكية (EDS)
- وزير التموين : تطوير منظومة التخزين وسلاسل الإمداد يدعم الأمن الغذائي ومواجهة تحديات الموارد
بعد هجوم الخليل الذي أودى بحياة جنديين إسرائيليين، سارع مسؤولون إلى موقع الحادثة، وأطلقوا تهديدات بهدم مبانٍ وفرض "ثمن" على الفلسطينيين. لم تُقدَّم هذه الإجراءات باعتبارها ملاحقة دقيقة لمسؤولين عن الهجوم، بل كرسالة أوسع إلى محيطهم وسكان المنطقة. تجاوز عدد الفلسطينيين الذين أُجبروا على مغادرة منازلهم في الخليل 2200 شخص، بينهم نحو 300 طفل، فيما طالت الإجراءات مئات الشقق السكنية.
لا يكفي وصف ما يجري بأنه ردّ أمني على هجوم، ولا تفسيره بالمزايدة الانتخابية وحدها. فقد تجسدت هذه السياسة في عملية الخليل وما رافقها من تهديد بإخلاء الأحياء وهدم المنازل، وفي موسم الزيتون الذي تحول إلى ساحة للاعتداء على المزارعين وسرقة محاصيلهم، كما ظهرت في الهجوم الاستيطاني المتصاعد على قرى ومناطق واسعة من الضفة الغربية.
تتعاضد ثلاثة دوافع متداخلة لتساعد على فهم هذا العمل المنهجي: سباق بين قوى اليمين المتطرف لإثبات من هو الأشد بطشاً، والأهم من ذلك كله سياسة أوسع تسابق الزمن لفرض وقائع جديدة على الأرض قبل أن تتغير الظروف السياسية أو تتفاقم الضغوط الدولية. داخل حكومة اليمين، لا يدور التنافس حول كيفية حماية السكان المدنيين أو منع الاعتداءات، بل حول من يستطيع أن يعلن موقفاً أشد، أو يهدد بإجراء أوسع، أو يقدم نفسه بوصفه الأقدر على فرض السيطرة.
رغم حملات التفتيش الواسعة في المنطقة، لم تُعلن السلطات الإسرائيلية حتى الآن عن العثور على أي قطعة سلاح داخل الأحياء المهددة بالإخلاء. ومع ذلك، هُجّرت عائلات وهُدمت منازل، من دون أن تُعرض للرأي العام حصيلة أمنية تبرر اتساع هذه الإجراءات. لم يكن الدافع الأعمق ليس التنافس بين الوزراء ولا الانتخابات وحدها؛ بل سياسة ممتدة تسابق الزمن لفرض وقائع يصعب التراجع عنها. ولا ينبغي اختزال هذه السياسة في حكومة اليمين المتطرف الحالية، فالاستيطان استمر عبر حكومات متعاقبة. في هذا السباق، يصبح الحدث الأمني فرصة سياسية جاهزة، حيث لا يتوقف الخطاب عند تحديد الفاعلين بل ينتقل سريعاً إلى الحديث عن هدم منازل وإخلاء أحياء وتشديد القيود، في مسعى لتفكيك ما تبقى من حضور فلسطيني.