القاهرة - وكالة أنباء إخباري
أزاحت دراسة حديثة أجراها معهد "كينجز كوليدج لندن" الستار عن نتائج مثيرة للقلق حول سلوك نماذج الذكاء الاصطناعي في سيناريوهات المحاكاة الحربية، كاشفة عن ميل واضح لهذه الروبوتات إلى التصعيد نحو استخدام السلاح النووي. تشير النتائج الصادمة إلى أن الذكاء الاصطناعي، رغم قدراته التحليلية الفائقة، يفتقر إلى الوعي البشري بالتبعات الكارثية للحروب النووية، مما يدفعه لاتخاذ قرارات قد تقود العالم إلى حافة الهاوية.
الذكاء الاصطناعي على حافة التصعيد النووي
تكتسب هذه الدراسة أهمية بالغة في ظل التطور المتسارع لأنظمة الذكاء الاصطناعي وتزايد دمجها في مختلف جوانب الحياة، بما في ذلك القطاعات العسكرية والاستراتيجية الحساسة. فمع تزايد الحديث عن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في دعم اتخاذ القرار العسكري، بل وحتى في تشغيل الأنظمة المستقلة، تطرح هذه النتائج تساؤلات جوهرية حول الحدود الأخلاقية والعملياتية الواجب وضعها لضمان عدم تحول هذه التكنولوجيا من أداة دعم إلى مصدر تهديد وجودي.
اقرأ أيضاً
- تقرير: تصعيد خطير يستهدف ميناء دمياط
- دعوى قضائية: فنزويليون يقاضون شركات طيران أمريكية لنقلهم إلى سجن السلفادور سيئ السمعة
- تقرير أممي يكشف: تكلفة الغذاء الصحي تفوق قدرة ثلث سكان العالم
- مراقبة عامل إغاثة في مستشفى بلندن لاحتمال تعرضه لفيروس إيبولا بالكونغو الديمقراطية
- بريطانيا تلغي تدريبات عسكرية في كينيا بسبب خلاف حول صلاحيات محاكمة الجنود
اعتمدت منهجية الدراسة على محاكاة أزمات دولية معقدة، تذكرنا بطبيعة التوترات التي سادت حقبة الحرب الباردة، حيث تم تكليف نماذج ذكاء اصطناعي رائدة من شركات عالمية مثل ChatGPT، وClaude، وGemini، بأدوار قادة دول تمتلك قدرات نووية. وخلال كل تجربة محاكاة، كان يُطلب من هذه النماذج اتخاذ قرارات استراتيجية في ظل تصاعد التوتر، وتقييم الخيارات المتاحة، بما في ذلك خيارات التصعيد العسكري وصولاً إلى استخدام الأسلحة النووية.
تجلت النتائج في نمط سلوكي مقلق، إذ أظهرت جميع النماذج تقريباً استعداداً للتصعيد. وفي أغلب الأحيان، كان أحد نماذج الذكاء الاصطناعي على الأقل يهدد باللجوء إلى الأسلحة النووية كخيار للضغط أو الحل. وقد أوضح الباحث الرئيسي في الدراسة، كينيث باين، أن النماذج تعاملت مع الأسلحة النووية التكتيكية ليس كخط أحمر يستوجب أقصى درجات الحذر، بل كـ"درجة إضافية ضمن سلّم التصعيد" العسكري. هذا التفسير يعكس نظرة تجريدية بحتة للقوة التدميرية لهذه الأسلحة، مفصلة عن الفزع البشري المرتبط بها.
تباين السلوك ومحصلة واحدة: التصعيد
على الرغم من أن النماذج أبدت قدرة على التمييز بين الاستخدام التكتيكي والاستراتيجي للأسلحة النووية، إلا أن هذا التمييز لم يحل دون انحيازها الواضح نحو خيار التصعيد. وقد برز نموذج "Claude" كأكثر النماذج ميلاً للتصعيد، حيث اقترح ضربات نووية في 64% من التجارب التي أُجريت. أما "ChatGPT"، فبينما بدا أكثر حذراً في بعض السيناريوهات، إلا أنه سرعان ما اتجه نحو التصعيد عند وجود حدود زمنية محددة أو ضغوط عالية، مما يشير إلى أن عامل الوقت والتوتر يمكن أن يحفز قراراته نحو الخيارات المتطرفة.
وفي المقابل، جاء سلوك نموذج "Gemini" متقلباً بشكل لافت. ففي بعض السيناريوهات، تمكن من حسم النزاعات بوسائل تقليدية أو دبلوماسية، بينما في حالات أخرى، لم يتردد في التلويح بضربة نووية بشكل سريع ومفاجئ. هذا التباين في سلوك "Gemini" يضيف طبقة أخرى من التعقيد لفهم كيفية استجابة الذكاء الاصطناعي للأزمات، ويبرز أن حتى النماذج الأكثر مرونة يمكن أن تتخذ قرارات غير متوقعة في اللحظات الحرجة.
تجاهل خيارات التهدئة وفقدان الوعي الإنساني
لعل النتيجة الأكثر إثارة للقلق هي الإجماع شبه التام بين جميع نماذج الذكاء الاصطناعي على تجاهل خيارات خفض التصعيد. ففي غالبية الحالات، لم تلجأ النماذج إلى أي من أساليب التهدئة الدبلوماسية، أو تقديم التنازلات، أو البحث عن حلول وسط، حتى عندما واجهت تهديداً نووياً مضاداً. بل إن خيار "العودة إلى خط البداية"، الذي يتيح إعادة سيناريو الأزمة إلى نقطة الصفر لبدء مفاوضات جديدة أو تقييم الأوضاع، لم يُستخدم إلا في 7% فقط من إجمالي الحالات، مما يدل على ميلها الجذري نحو المضي قدماً في مسار التصعيد.
ويعزو الباحثون هذا التوجه الخطير إلى عدة عوامل أساسية. أولاً، يتعامل الذكاء الاصطناعي مع التهديد النووي بشكل تجريدي بحت، خالٍ من أي تصور للفزع البشري، أو المعاناة، أو الدمار الشامل الذي يترتب على مثل هذه الحروب. ثانياً، تميل النماذج إلى إعطاء الأولوية القصوى لاعتبارات السمعة والمكاسب الاستراتيجية والانتصار، وتضعها أمام أي رغبة في التهدئة أو تجنب الكارثة. هذا الافتقار للوعي الإنساني بالآثار المدمرة للحروب النووية يجعلها تتخذ قرارات تختلف جذرياً عن التوقعات البشرية، التي عادة ما تكون مدفوعة بالحفاظ على الحياة وتجنب الفناء.
مستقبل دعم القرار الاستراتيجي: تحديات وجودية
إن نتائج هذه الدراسة تدق ناقوس الخطر وتطرح أسئلة مصيرية حول إمكانية الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في دعم القرارات الاستراتيجية مستقبلاً، لا سيما في الملفات شديدة الحساسية التي تمس الأمن العالمي مثل النزاعات المسلحة وحيازة الأسلحة النووية. فإذا كانت الأنظمة الذكية تميل بطبيعتها إلى التصعيد بدلاً من التهدئة، فإن دمجها في غرف عمليات صناعة القرار قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن التنبؤ بها، وربما تكون كارثية.
تؤكد الدراسة على ضرورة تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر تعقيداً ووعياً بالقيم الإنسانية والأخلاقية، وقادرة على فهم التعقيدات العاطفية والنفسية الكامنة وراء الصراعات. كما تدعو إلى وضع أطر تنظيمية صارمة وآليات إشراف بشري قوية لضمان أن تبقى السيطرة النهائية على القرارات المصيرية في أيدي البشر، بعيداً عن منطق الخوارزميات البارد الذي قد لا يقدر قيمة الحياة البشرية.