في حلقة مميزة من برنامج "الشريعة والحياة" على قناة الجزيرة، تناول الخبير المري قضية محورية تلامس صميم الفكر الإسلامي المعاصر، وهي كيفية حفظ المسلمين لسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في زمن تتزايد فيه موجات التشكيك. النقاش الذي بث في 15 مارس 2026، سلط الضوء على الأهمية البالغة للسنة النبوية كمرجع تشريعي وتوجيهي لا غنى عنه، وكشف عن الآليات الدقيقة التي تكفل بها الله حفظها على مر العصور.
مكانة السنة النبوية في القرآن الكريم
استهل المري حديثه بالتأكيد على أن مكانة السنة النبوية ليست مجرد اجتهاد بشري، بل هي ثابتة بنصوص قرآنية واضحة لا تقبل التأويل. وأشار إلى العديد من الآيات الكريمة التي تؤكد على حجية السنة وضرورة الأخذ بها، مستشهدًا بقوله تعالى: "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا" (الحشر: 7)، وقوله: "مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ" (النساء: 80)، وكذلك الآية الكريمة التي تدعو إلى الرجوع إلى الله والرسول عند التنازع: "فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ" (النساء: 59).
وبناءً على هذه النصوص القرآنية الصريحة، يرى المري أن مكانة السنة النبوية أمر لا يجهله أي مسلم يؤمن بالله تعالى. وعليه، فإن من يشككون في السنة اليوم يقعون ضمن إحدى فئتين: إما أنهم قوم لا يؤمنون بالله أصلاً، أو أنهم يؤمنون ولكنهم يجهلون مكانة السنة وطرق حفظها المحكمة التي توارثتها الأمة الإسلامية عبر قرونها.
اقرأ أيضاً
الوعد الإلهي بحفظ "الذكر" والسنة
لم يترك الله تعالى حفظ دينه للبشر وحدهم، بل تكفل بحفظه بنفسه. وأوضح المري أن هذا الحفظ يشمل السنة النبوية أيضًا، مستدلاً بقوله تعالى: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (الحجر: 9). وشدد على أن كلمة "الذكر" في هذا السياق أوسع وأعم من مجرد القرآن الكريم بألفاظه، فهي تشمل الألفاظ (القرآن) والمعاني والتوجيهات (السنة النبوية) التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم لتفسير القرآن وتطبيقه.
ووفقًا لأستاذ الحديث، فإن المشكلة الحالية لا تكمن في عدم معرفة السنة، بل في الجهل بآلية حفظها والطرق الموثوقة التي وصلتنا بها. وهذا الحفظ هو جزء من إكمال الدين الذي أشار إليه قوله تعالى: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ" (المائدة: 3). وقد هيأ الله تعالى لهذه المهمة الجليلة خير الأجيال: الصحابة الكرام، ثم التابعين، ثم تابعي التابعين، لينقلوا هذا الإرث العظيم بأمانة ودقة متناهية.
آليات الحفظ التاريخية: من الصحابة إلى علم الإسناد
من عظيم حكمة الله تعالى وتدبيره، أن هدى الصحابة الأوائل إلى منهج فريد لحفظ السنة، أطلقوا عليه "التناوب في أخذ العلم". فقد كانوا يتناوبون على الجلوس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والاستماع إليه وأخذ العلم عنه، بحيث لا يشغلهم انشغالهم بأمور دنياهم عن تفويت أي شيء من أقواله أو أفعاله. فإذا فات أحد الصحابة شيء من السنة، كان قد سمعه غيره، وبذلك لم يضع منها شيء على الإطلاق.
ومع ذلك، أشار المري إلى أن الصحابة كانوا يتسمون بالورع الشديد والخشية من رواية الحديث خوفًا من التقوّل على النبي صلى الله عليه وسلم. وعندما بدأت الفتن تظهر في الأمة، وأصبحت الحاجة ماسة لتمييز الصحيح من السقيم، نشأ علم الإسناد العظيم. هذا العلم الذي يعتبر جزءًا لا يتجزأ من الدين، جاء ليحفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم، خاصة بعد تحذير النبي من الكذب عليه.
لقد بدأ التحقق الدقيق من سند الحديث ومتنه، وتطور هذا العلم ليصبح من أهم العلوم الشرعية، وتبوأ أصحابه مكانة عظيمة في زمن التابعين ومن بعدهم. لم يكن حسن الظن أو الثقة المجردة كافيين لقبول رواية الراوي، بل كان الأساس هو الاختبار الدقيق والتأكد من سلامة روايته وسنده. وكمثال على دقة هذا العلم، ذكر المري أن الأئمة تركوا آلاف الأحاديث الصحيحة في متونها عن راوٍ واحد ثبتت عليه "صنعة السند" في حديث واحد، وجعلوا كل ما ورد عنه في باب الضعيف، وذلك لضمان نقاء السنة من أي شائبة.
تحديات التشكيك المعاصر ودور العلماء والإعلام
في عصرنا الحالي، يواجه المسلمون موجة من التشكيك في السنة النبوية، حيث يعمد المشككون إلى تقديم الشبهات بطريقة تبدو مقنعة لمن لا يملكون العلم الكافي. وهنا تبرز أهمية الدور المزدوج لأهل العلم والإعلام في مواجهة هذه التحديات.
يجب على أهل العلم ألا يتركوا ساحة التلبيس على الناس خالية، خاصة في زمن تنتقل فيه المعلومات بسرعة فائقة، حتى لو كانت خاطئة. وواجبهم لا يقتصر على مجرد الرد على الشبهات، بل يتعداه إلى توضيح طرق جمع الحديث النبوي وحفظه، وكشف المنهجية العلمية الدقيقة التي اتبعها العلماء على مر العصور في صيانة هذا الإرث النبوي.
كما لا يجوز للمسلم العادي أن يساهم في نشر الشبهات أو الروايات التي تهدف إلى التشكيك في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم أو إخراجها عن سياقها الصحيح. بل الواجب عليه أن يلجأ إلى العلماء الراسخين لمعرفة الصحيح من الخطأ، وأن يستقي علمه من مصادره الموثوقة.
أما دور الإعلام، فهو محوري وحاسم. ينبغي ألا يفرد مساحات إعلامية لغير أهل العلم ليخوضوا في حديث النبي بما لا يعرفون أو بما يهرفون به من آراء غير متخصصة. بل يجب على الإعلام أن يعطي زمام الكلام لأهل الاختصاص الحقيقيين في هذا الباب العظيم، وأن يكون منبرًا لتوضيح الحقائق ونشر الوعي الصحيح حول السنة النبوية ومكانتها وطرق حفظها.
إن فهم آليات حفظ السنة النبوية والتمسك بها ليس مجرد واجب ديني، بل هو صمام أمان للأمة الإسلامية في مواجهة التحديات الفكرية المعاصرة، ويضمن لها البقاء على صراط مستقيم مستمد من كتاب الله وسنة نبيه.