بغداد، العراق - وكالة أنباء إخباري
في عالمنا الحديث الذي يتسم بالسرعة والدقة، نادراً ما نتوقف لنتساءل عن الأسباب الكامنة وراء أبسط جوانب حياتنا اليومية. أحد هذه الجوانب هو تقسيم الوقت: لماذا تتكون الساعة من 60 دقيقة، والدقيقة من 60 ثانية؟ هذا التقسيم، الذي يبدو بديهياً اليوم، ليس نتيجة تطور طبيعي بل هو إرث لقرار اتخذ قبل آلاف السنين في قلب الحضارات القديمة، وتحديداً في بلاد الرافدين، العراق القديم.
الجذور التاريخية: بلاد الرافدين مهد الزمن
تعود قصة الدقائق الستين إلى السومريين، إحدى أقدم الحضارات المعروفة في العالم، والذين استقروا في منطقة بلاد الرافدين (العراق حالياً) حوالي 4000 قبل الميلاد. لقد طوروا نظاماً عددياً يعتمد على الأساس 60، المعروف بالنظام الستيني (Sexagesimal system)، بدلاً من النظام العشري (الأساس 10) الذي نستخدمه اليوم.
اقرأ أيضاً
- روسيا والصين ومنغوليا تُجريان مناورات "التعاون الحدودي 2026" لتعزيز الأمن الإقليمي
- «أوف منك».. عمل غنائي جديد لـ عامر كامل غانم
- "حكم العدالة" يعود للحياة في معرض دمشق الدولي: لمسة درامية إذاعية تحتفي بالماضي
- أول سيارة باكستانية ذاتية القيادة: من الإنجاز الموعود إلى اصطدام كوميدي بالشرطة!
- قمة شنغهاي: بوتين يؤكد تضامن روسيا الثابت مع إيران ويعزز العلاقات الثنائية
لم يكن اختيار الرقم 60 عشوائياً. يتمتع الرقم 60 بميزة رياضية فريدة: فهو قابل للقسمة على عدد كبير من الأرقام الصحيحة (1، 2، 3، 4، 5، 6، 10، 12، 15، 20، 30، 60). هذه الخاصية جعلته مثالياً للحسابات اليومية، خاصة في التجارة وتقسيم الحصص، وكذلك في القياسات الفلكية والجغرافية التي كانت حيوية لتلك الحضارات الزراعية.
النظام الستيني وعبقرية الأجداد
ورث البابليون، الذين خلفوا السومريين في حكم بلاد الرافدين، هذا النظام الستيني وطوروه بشكل أكبر. استخدموه في حساباتهم الفلكية المعقدة، والتي كانت أساساً لتقويماتهم وتنبؤاتهم. لقد لاحظوا أن الشمس تستغرق حوالي 360 يوماً لإكمال دورتها الظاهرية في السماء، وهو رقم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالرقم 60 (360 = 6 × 60). هذا الارتباط ربما ساهم في ترسيخ استخدام النظام الستيني في قياس الزوايا والدورات.
من هنا، بدأ تقسيم الدائرة إلى 360 درجة، وكل درجة إلى 60 دقيقة قوسية، وكل دقيقة قوسية إلى 60 ثانية قوسية. وعندما بدأوا في قياس الوقت، طبقوا نفس المنطق. فقسموا اليوم إلى فترات، وكل فترة إلى 60 جزءاً، وهكذا. لم يكن لديهم ساعات بالمعنى الحديث، لكنهم استخدموا المزولات والساعات المائية لقياس فترات زمنية محددة، وطبقوا عليها هذا التقسيم الستيني.
انتشار الفكرة وصمودها عبر العصور
مع مرور القرون، انتشرت المعارف البابلية عبر العالم القديم. تبنى المصريون القدماء بعضاً من مفاهيمهم الفلكية والزمنية. ثم جاء الإغريق، الذين درسوا أعمال البابليين ونقلوها إلى العالم الغربي. بطليموس، الفلكي والجغرافي اليوناني الروماني الشهير في القرن الثاني الميلادي، كان له دور محوري في ترسيخ استخدام النظام الستيني في قياس الزوايا والوقت في أعماله المؤثرة مثل "المجسطي".
من الإغريق والرومان، انتقل هذا النظام إلى الحضارة الإسلامية، حيث قام العلماء المسلمون بتطوير أدوات فلكية دقيقة، مثل الأسطرلاب، واستخدموا النظام الستيني في حساباتهم المعقدة. ثم، خلال عصر النهضة في أوروبا، عادت هذه المعارف إلى الغرب، وتم تطبيقها على الساعات الميكانيكية التي بدأت في الظهور في القرن الرابع عشر. عندما تم اختراع الساعات التي يمكنها قياس الدقائق والثواني بدقة، كان من الطبيعي تبني النظام الستيني الراسخ بالفعل في القياسات الفلكية.
لماذا 60 وليس 100؟ صمود ضد التغيير
على مر التاريخ، كانت هناك محاولات لتغيير هذا النظام. أبرزها كان خلال الثورة الفرنسية، حيث تم اقتراح "الوقت المتري" الذي يقسم اليوم إلى 10 ساعات، وكل ساعة إلى 100 دقيقة، وكل دقيقة إلى 100 ثانية. ورغم أن النظام المتري (العشري) نجح في العديد من المجالات الأخرى مثل الأوزان والأطوال، إلا أن "الوقت المتري" فشل فشلاً ذريعاً في اكتساب القبول. ربما يعود ذلك إلى عمق تجذر النظام الستيني في الثقافة البشرية، وارتباطه الوثيق بالفلك والرياضيات، بالإضافة إلى مرونته في القسمة.
حتى اليوم، ما زال إرث السومريين والبابليين يحدد إيقاع حياتنا. عندما ننظر إلى ساعة يدنا أو شاشة هاتفنا، فإننا نشهد استمرارية لقرار اتخذ قبل آلاف السنين في سهول بلاد الرافدين. إنها شهادة على العبقرية الرياضية والفلكية لتلك الحضارات القديمة، وكيف يمكن لقرار واحد أن يترك بصمة لا تمحى على مسار التاريخ البشري.
أخبار ذات صلة
- بريطانيا تعلن تضرر ناقلة نفط قبالة سواحل عمان: الطاقم آمن
- وفاة رئيس شركة الطاقة الروسية الأسبق فيدور فيدوتوف بعد صراع مع السرطان
- الجبهة الشعبية الروسية تحذر من مخاطر شراء السيارات الأوروبية عبر الوسطاء
- خبيرة: الذكاء الاصطناعي سيحدث ثورة في تخصيص تجارب السفر
- كندا تخصص 11 مليار دولار لبناء أسطول جديد من كاسحات الجليد بحلول 2038