عالمي - وكالة أنباء إخباري
العمل غير المعلن كـ«تقنية بقاء» للطلاب: مخاطر خفية وتحديات متزايدة
في ظل تصاعد تكاليف المعيشة والدراسة، يجد قطاع كبير من الطلاب حول العالم أنفسهم في مواجهة تحديات مالية خانقة تدفعهم نحو خيارات صعبة. فبينما يطمحون لتحقيق طموحاتهم الأكاديمية، تفرض عليهم الضرورات الاقتصادية اللجوء إلى العمل غير المعلن، أو ما يُعرف بـ«العمل الأسود»، ليس كخيار للرفاهية بل كـ«تقنية بقاء» أساسية لتغطية نفقاتهم اليومية. هذه الظاهرة، التي تتجاوز الحدود الجغرافية، تكشف عن هشاشة الوضع الاقتصادي للطلاب وتضعهم في مواجهة مخاطر جسيمة قد تهدد مستقبلهم.
تتنوع أشكال العمل غير المعلن التي يلجأ إليها الطلاب، فمن رعاية الأطفال وتقديم خدمات المطاعم والمقاهي، إلى أعمال البناء والتوصيل والدروس الخصوصية. هذه الأعمال، التي قد تبدو بسيطة وغير ضارة في ظاهرها، تخفي وراءها واقعاً معقداً من الاستغلال والهشاشة. فالطلاب الذين يعملون في هذه القطاعات غالبًا ما يفتقرون إلى عقود عمل رسمية، مما يحرمهم من الحد الأدنى للأجور، وساعات العمل المنظمة، والإجازات المدفوعة، والأهم من ذلك، الحماية الاجتماعية والصحية.
اقرأ أيضاً
- ضبط نحو 70 طناً من الدواجن المجمدة غير الصالحة للاستهلاك داخل ثلاجة وهمية بالشرقية
- فيلم «تعليم ياباني».. حسام أبو المجد يفتح ملف تطوير المناهج وطفولة الطلاب
- رئيس الوزراء يلقي كلمة في افتتاح الدورة الخامسة من المعرض والمؤتمر الدولي لتكنولوجيا المياه
- رئيس الوزراء يتفقد اجنحة معرض المؤتمر الدولى لتكنولوجيا المياه
- وزير التموين يفتتح قمة مصر للتجزئة 2026
إن غياب الحماية الاجتماعية يعني أن هؤلاء الطلاب لا يستفيدون من التأمين الصحي، ولا من تعويضات البطالة، ولا من أي حقوق عمالية أساسية. هذا يجعلهم عرضة للخطر في حال تعرضهم لحوادث عمل أو أمراض، حيث يجدون أنفسهم بدون أي دعم أو تعويضات. علاوة على ذلك، فإن العمل غير المعلن يعرضهم لمخاطر قانونية كبيرة، ليس فقط لأصحاب العمل، بل للطلاب أنفسهم. ففي العديد من البلدان، يمكن أن يواجه الطلاب العاملون بشكل غير قانوني غرامات باهظة، أو حتى إجراءات قانونية أشد قد تؤثر على سجلهم الجنائي، بل وقد تصل إلى ترحيل الطلاب الدوليين الذين يخالفون شروط إقامتهم.
تتجاوز تداعيات هذه الممارسات الجانب القانوني والمالي لتطال الجانب الأكاديمي والنفسي للطلاب. فالجمع بين الدراسة الجامعية المتطلبة والعمل لساعات طويلة في ظروف غير مستقرة يؤدي إلى إجهاد بدني ونفسي شديد. يعاني الطلاب من قلة النوم، وصعوبة التركيز في المحاضرات، وتراجع الأداء الأكاديمي، وقد يصل الأمر إلى التخلي عن الدراسة في بعض الحالات. كما أن التوتر والقلق المستمرين بشأن المال والمخاطر القانونية يؤثران سلبًا على صحتهم النفسية، مما قد يؤدي إلى العزلة الاجتماعية والاكتئاب.
لا يقتصر تأثير العمل غير المعلن على الطلاب الأفراد فحسب، بل يمتد ليشمل المجتمع ككل. فإلى جانب التهرب الضريبي الذي يحرم خزائن الدولة من إيرادات مهمة يمكن توجيهها لدعم الخدمات العامة، يساهم هذا النوع من العمل في تشويه سوق العمل، مما يخلق منافسة غير عادلة للشركات التي تلتزم بالقوانين وتوفر فرص عمل رسمية. كما أنه يعزز ثقافة الهشاشة والاستغلال، ويحد من قدرة الشباب على الاندماج بشكل صحي ومستدام في الاقتصاد.
لمواجهة هذه الظاهرة المتنامية، يتطلب الأمر استجابة شاملة ومتعددة الأوجه. يجب على الحكومات والمؤسسات التعليمية والمنظمات الطلابية العمل معًا لتوفير دعم مالي كافٍ للطلاب، من خلال زيادة المنح الدراسية والقروض الميسرة، وتسهيل الوصول إلى فرص العمل القانونية بدوام جزئي التي تتناسب مع جداولهم الأكاديمية. كما ينبغي تكثيف حملات التوعية للطلاب حول مخاطر العمل غير المعلن وحقوقهم العمالية، وتشجيعهم على طلب المساعدة من الهيئات الرسمية في حال تعرضهم للاستغلال.
إن حماية الطلاب من براثن العمل غير المعلن ليست مجرد مسألة قانونية أو اقتصادية، بل هي استثمار في مستقبل الأجيال القادمة وضمان لكرامتهم وحقهم في تعليم ذي جودة وبيئة عمل آمنة. يجب أن تكون الجامعات والمجتمعات داعمة لطلابها، لا أن تدفعهم قسراً نحو خيارات محفوفة بالمخاطر من أجل البقاء.