الاثنين، ٥ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ / 17 أغسطس 2026 م 11:07 م بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

النجوم العملاقة القديمة: مصدر غني للعناقيد المبكرة ومولد الثقوب السوداء الأولى

نموذج جديد يكشف كيف شكلت النجوم الهائلة التركيب الكيميائي لل
استمع للخبر تقنيات عبد الفتاح يوسف 2026-02-24 08:58 53
النجوم العملاقة القديمة: مصدر غني للعناقيد المبكرة ومولد الثقوب السوداء الأولى

عالمي - وكالة أنباء إخباري

النجوم العملاقة القديمة: مصدر غني للعناقيد المبكرة ومولد الثقوب السوداء الأولى

في فجر الكون، عندما كان الكوزموس لا يزال في مهده ويتوسع، شهدت تلك الحقبة ولادة النجوم الأولى الهائلة جنبًا إلى جنب مع المجرات الأولية. لقد كشفت الأبحاث الحديثة أن هذه النجوم المبكرة، التي تفوق كتلتها الشمس بآلاف المرات، لم تكن مجرد نقاط مضيئة في السماء فحسب، بل كانت محركات قوية للتغيير الكيميائي داخل العناقيد النجمية الكروية الأولى. والأكثر إثارة للدهشة، أن العديد من هذه النجوم العملاقة تحولت في نهاية المطاف إلى ثقوب سوداء، مما يربط بشكل مباشر تشكيل النجوم بتكوين الهياكل الكونية الأكثر غموضًا.

فريق بحثي يقوده مارك جيليس من جامعة برشلونة، سعى إلى فهم الدور الجوهري الذي لعبته هذه العمالقة النجمية قصيرة العمر في نشأة وتطور أقدم العناقيد النجمية المعروفة. لتسليط الضوء على هذه الألغاز الكونية، قام الفريق بتطوير نموذج حاسوبي متقدم، يُعرف باسم نموذج «التدفق بالقصور الذاتي». يصف هذا النموذج كيف تبدأ النجوم في التكون نتيجة لتدفقات متقاربة (تدفق داخلي) ناجمة عن اضطراب فوق صوتي في مناطق معينة من الفضاء. وقد استخدم الباحثون هذا النموذج لشرح الوفرة الكيميائية غير العادية المكتشفة في تلك العناقيد النجمية المبكرة، والتي لا يمكن تفسيرها بالنماذج التقليدية.

العناقيد الكروية هي تجمعات كروية الشكل تضم آلاف أو حتى ملايين النجوم المحصورة في مناطق صغيرة نسبيًا من الفضاء. تمتلك معظم المجرات هذه العناقيد، وتشير أعمار نجومها إلى أنها تشكلت بعد وقت قصير من الانفجار العظيم. بعضها يسبق حتى تشكيل المجرات المرتبطة بها. على سبيل المثال، يضم مجرتنا درب التبانة مجموعة من العناقيد الكروية التي تحوم حول مركزها، ويشتبه الفلكيون في وجود أكثر من 200 منها، على الرغم من أن 150 على الأقل معروفة حاليًا. بالنظر إلى أن مجرتنا تبلغ حوالي 13.6 مليار سنة، فإن النجوم في هذه العناقيد الكروية غالبًا ما تكون أقدم من ذلك، مما يؤكد أصولها البدائية.

ما يميز العناقيد الكروية التي تناولتها دراسة جيليس هو توقيعها الكيميائي المحير. فبدلاً من أن تكون مشابهة كيميائيًا للنجوم الأخرى في العناقيد الكروية، تظهر هذه النجوم القديمة جدًا (EMS) كميات أعلى من المتوقع من الهيليوم والنيتروجين والأكسجين والصوديوم والمغنيسيوم والألومنيوم. تُصنف هذه العناصر ضمن «العناصر الثقيلة»، وهي مواد كيميائية ذات أعداد ذرية أعلى من الهيدروجين. تقليديًا، يُعتقد أن النجوم الأولى قد تشكلت بشكل أساسي من الهيدروجين البدائي، مع وجود كميات ضئيلة من الهيليوم. تتكون العناصر الأثقل داخل النجوم عبر الاندماج النووي، مما يعني أن النجوم العملاقة المبكرة لم يكن ينبغي أن تكون «ملوثة» بهذه العناصر إلا بعد أن بدأت النجوم الأقدم في الموت وإثراء الوسط بين النجمي. هذا التناقض قاد فريق جيليس إلى افتراض أن نوعًا من النشاط المبكر قد «أثرى» بيئة العنقود بهذه العناصر الثقيلة.

يُظهر نموذج «التدفق بالقصور الذاتي» أن مناطق الغاز المضطرب داخل العناقيد النجمية الهائلة التي كانت موجودة في ذلك الوقت البعيد، أدت إلى ولادة هذه النجوم العملاقة بشكل استثنائي. تراوحت كتل معظمها بين ألف وعشرة آلاف ضعف كتلة الشمس. قامت هذه النجوم، مثلها مثل جميع النجوم، بطهي العناصر في أنويتها عبر الاندماج النووي. ومع ذلك، وبسبب كتلتها الهائلة، أنتجت رياحًا نجمية قوية للغاية أثرت بيئة العنقود بما يسميه الفلكيون «نواتج احتراق الهيدروجين ذات درجة الحرارة العالية». اختلطت هذه النواتج مع سحب غاز الهيدروجين السائدة، وفي نهاية المطاف، أنتجت هذه السحب أجيالًا جديدة من النجوم بتوقيعات كيميائية مختلفة تمامًا. يؤكد جيليس قائلاً: «نموذجنا يظهر أن عددًا قليلاً فقط من النجوم العملاقة للغاية يمكن أن يترك بصمة كيميائية دائمة على عنقود بأكمله. إنه يربط أخيرًا فيزياء تشكيل العناقيد الكروية بالتوقيعات الكيميائية التي نلاحظها اليوم».

توفر دراسة الفريق لهذه العناقيد الكروية المبكرة طريقًا يربط فيزياء تكوين النجوم، وتطور العناقيد، والإثراء الكيميائي في الكون المبكر. وتشير إلى أن النجوم العملاقة المبكرة كانت محركات رئيسية لتكوين المجرات الأولى، حيث أثرت العناقيد الكروية في وقت واحد وأدت إلى ظهور الثقوب السوداء الأولى. هذا النموذج لا يفسر فقط خصائص عناقيد درب التبانة، بل يقدم أيضًا تفسيرًا لبعض الاكتشافات الجديدة لتلسكوب جيمس ويب الفضائي، الذي قام بفهرسة المجرات الغنية بالنيتروجين في الكون البعيد. يعتقد الباحثون أن تلك المجرات كانت تحتوي أيضًا على عناقيد كروية غنية بالنجوم العملاقة المبكرة تشكلت خلال المراحل المبكرة لتكوين المجرات. وعلق باولو بادوان من كلية دارتموث قائلاً: «ربما لعبت النجوم العملاقة للغاية دورًا رئيسيًا في تشكيل المجرات الأولى. إن لمعانها وإنتاجها الكيميائي يفسران بشكل طبيعي المجرات الأولية الغنية بالنيتروجين التي نلاحظها الآن في الكون المبكر باستخدام تلسكوب جيمس ويب».

مثل معظم تجمعات النجوم العملاقة المبكرة، انفجرت هذه النجوم في نهاية المطاف على شكل مستعرات عظمى، مما أثرى بيئة العنقود بشكل أكبر وساهم في تكوين الأجيال اللاحقة من النجوم بعناصر أثقل. ولكن الأهم من ذلك، أن هذه النجوم انهارت على الأرجح لتشكيل أول ثقوب سوداء متوسطة الكتلة، تزيد كتلة كل منها عن 100 كتلة شمسية. إذا تصادمت هذه الثقوب السوداء مع بعضها البعض، فمن المحتمل تمامًا أن تتمكن مراصد الموجات الثقالية من اكتشاف مثل هذه الأحداث في الكون المبكر، مما يفتح نافذة جديدة على فهم أصول هذه الأجرام الكونية الغامضة.

# نجوم عملاقة مبكرة # عناقيد كروية # ثقوب سوداء # تكوين المجرات # إثراء كيميائي # الكون المبكر # نموذج التدفق بالقصور الذاتي # تلسكوب جيمس ويب
اقرأ هذا الخبر