الأربعاء، ١٤ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ / 26 أغسطس 2026 م 05:05 م بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

الولايات المتحدة تقود حرب إيران منفردة: انهيار التحالف الغربي وتداعياته على أوروبا

تحليل معمق لتداعيات الانفصال الاستراتيجي الأمريكي الأوروبي ف
استمع للخبر الأخبار عبد الفتاح يوسف 2026-03-13 05:14 20
الولايات المتحدة تقود حرب إيران منفردة: انهيار التحالف الغربي وتداعياته على أوروبا

الشرق الأوسط - وكالة أنباء إخباري

الولايات المتحدة تقود حرب إيران منفردة: انهيار التحالف الغربي وتداعياته على أوروبا

في تطور استراتيجي يعكس تحولاً جذريًا في المشهد الجيوسياسي العالمي، تخوض الولايات المتحدة الأمريكية حربًا ضد إيران، مدعومةً بشكل أساسي من إسرائيل، ولكن بغياب تام لأي مشاركة أوروبية مباشرة. هذه العملية العسكرية، التي تقع على عتبة أوروبا في منطقة الشرق الأوسط الحيوية، تمثل أول صراع كبير منذ عقود لا تشارك فيه القوى الأوروبية بشكل فعال. على عكس التدخلات السابقة في البلقان، أفغانستان، العراق، وليبيا، أو حتى التحالف ضد تنظيم "الدولة الإسلامية"، التي شهدت إما قيادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) أو مشاركة فردية من الدول الأوروبية، يبدو أن الحقبة الجديدة قد بدأت.

بريطانيا، التي لطالما افتخرت بـ"علاقتها الخاصة" مع الولايات المتحدة، تجسد هذا التغيير بوضوح. فبعد مشاركتها في حرب العراق عام 2003، حتى وإن كانت مثيرة للجدل، رفضت الحكومة البريطانية في البداية منح الولايات المتحدة الإذن باستخدام قواعدها لاستخدامها في الهجمات ضد إيران. ورغم موافقة رئيس الوزراء لاحقًا، إلا أن هذا القرار لا يغير الصورة العامة: أمريكا تقرر خوض حرب كبرى في الشرق الأوسط، مع إسرائيل، ولكن بعيدًا عن أوروبا.

يحاول البعض التقليل من أهمية هذا الانفصال، مشيرين إلى أن النقاش حول استخدام القواعد الأمريكية في أوروبا يظهر حاجة ترامب حتى لحلفائه. بل إن الرئيس الأمريكي طلب المساعدة من أوكرانيا، التي يعاملها بفتور، في الدفاع ضد الطائرات المسيرة في الخليج. إلا أن هذا التفسير يفتقر إلى الدقة. لقد بدأ ترامب هذه الحرب دون استشارة أي جهة أوروبية، وأثبتت أمريكا قدرتها على المضي قدمًا دون الحاجة إلى أوروبا. إن شعار "أمريكا أولاً" قد تحول عمليًا إلى "أمريكا وحدها"، على الأقل فيما يتعلق بالعلاقات عبر الأطلسي. لم يعد هناك مشروع غربي مشترك، خاصةً عندما يتعلق الأمر بأسس قانونية دولية.

هذا الوضع يؤدي إلى مفارقة تتمثل في محاولة بعض الدول الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا، حماية شركائها في المنطقة من تداعيات هجوم أمريكي محتمل. كما يوفر هذا الصراع متنفسًا اقتصاديًا للرئيس الروسي بوتين، الذي يواجه ضغوطًا في أوكرانيا، من خلال ارتفاع أسعار النفط. بالإضافة إلى ذلك، فإن خطر تدفق اللاجئين إلى أوروبا يزداد بشكل كبير، كما أظهرت الحروب الأخيرة في العالم الإسلامي. على الجانب الآخر، قد تسهم هذه العملية في تقليل التهديد الذي يشكله البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، وهو أمر ذو أهمية كبيرة لأوروبا أيضًا.

ومع ذلك، عند موازنة هذه العوامل، من الصعب تصور أن أوروبا كانت ستختار التدخل العسكري في إيران. فآخر ما تحتاجه القارة الآن هو ضخ أموال جديدة في الاقتصاد الروسي وخطر اندلاع حرب أهلية جديدة في جوارها المباشر. صحيح أن ترامب قد يكون اندفع إلى هذه الحرب بدافع الغرور أو بتأثير من نتنياهو، إلا أن هذا الحدث يعكس واقعًا استراتيجيًا قاسيًا: مصالح أمريكا وأوروبا لم تعد متطابقة، سواء في الشرق الأوسط أو في أوروبا نفسها.

قد يُقال إن المصالح لم تكن متطابقة قط. وهذا صحيح تاريخيًا، ولكن حتى خلال الحرب الباردة، كانت الخلافات عبر الأطلسي تتعلق غالبًا بالوسائل وليس بالهدف النهائي. كان الهدف واضحًا: احتواء الاتحاد السوفيتي. اليوم، يفتقر العالم لمثل هذا الهدف المشترك الكبير؛ فترامب يفضل إبرام صفقات مع روسيا بوتين. ورغم تراجع حدة التهديد الجهادي، إلا أنه لا يزال قائمًا، ولكنه لم يعد كافيًا لملء التحالف بالحياة.

لقد طُرح سؤال حول ما الذي يربط الناتو معًا حتى بعد الحرب الباردة، وقبل ترامب بفترة طويلة. حاول البعض الإجابة عليه ثقافيًا، بتعريف التحالف الغربي كمجتمع للديمقراطيات الليبرالية التي تدافع عن قيمها عند الضرورة خارج المجال الأورو-أطلسي. لكن هذا الأساس نفسه قد انهار. فأمريكا ترامب تقف أيديولوجيًا إلى اليمين بشكل ملحوظ مقارنة بأوروبا، على الرغم من وجود اتجاهات يمينية شعبوية قوية في أوروبا أيضًا. عندما لا يمكن الاتفاق على قضايا مثل حرية التعبير، قضايا الجندر، أو التركيبة الاجتماعية، يصبح من الصعب الدفاع عن هذه القيم بشكل مشترك.

في عهد بايدن، فكرت أوروبا في إيجاد هدف جديد للعلاقات عبر الأطلسي في آسيا. وكانت المحاولات المحدودة للانخراط عسكريًا هناك تهدف إلى إظهار دعم الولايات المتحدة في احتواء الصين، بغض النظر عما قد يعنيه ذلك في حالة نشوب حرب حول تايوان. لكن ترامب لا يبدي اهتمامًا بذلك، تمامًا كما لم يهتم بموقف أوروبا من القضية الإيرانية. يجب أن نكون صريحين هنا أيضًا: يمكن لأوروبا أن تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة في آسيا، خاصة الاقتصادية، لكن الناتو لا يمكنه إنقاذها هناك.

يشير الرئيس الأمريكي إلى خطة لإنهاء الحرب ضد إيران، مدعيًا أن الجيش الأمريكي يتقدم على الجدول الزمني. ومع ذلك، فإن رسالته تبدو متناقضة. في غضون ذلك، تبدو اليمينية الشعبوية الأوروبية منقسمة بشأن حرب إيران؛ قلة قليلة تؤيدها صراحة، لكنهم لا يرغبون في انتقاد ترامب. بينما تتظاهر الدول الأوروبية بأنها مجرد مراقبين في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل، فإنها ستضطر في النهاية لتحمل العواقب إذا انهار الوضع في إيران.

# حرب إيران # الولايات المتحدة # أوروبا # الناتو # التحالف الغربي # العلاقات عبر الأطلسي # الشرق الأوسط # استراتيجية # جيوسياسة # دونالد ترامب # روسيا # اللاجئين
اقرأ هذا الخبر