إخباري
السبت ٢٣ مايو ٢٠٢٦ | السبت، ٧ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ
عاجل

بداية العام الجديد: ليس تحولاً جذرياً بل إعادة ضبط نفسية هادئة

بداية العام الجديد: ليس تحولاً جذرياً بل إعادة ضبط نفسية هادئة
مريم ياسر
منذ 4 شهر
199

الهند - وكالة أنباء إخباري

مع إشراقة العام الجديد، تتصاعد التوقعات بأن كل شيء سيصبح جديداً بضربة ساعة منتصف الليل في الأول من يناير. هذه الفكرة السائدة، التي ترتبط بالتحولات الجذرية الفورية، غالباً ما تخالف حقيقة الطبيعة البشرية، حيث يؤكد خبراء علم النفس أن الأسبوع الأول من العام لا يتعلق بتغيير ملموس بقدر ما هو إعادة توجيه ذهني هادئ ومدروس.

وهم التغيير الفوري: العقل لا يعمل بمواعيد نهائية

توضح الدكتورة بافيا شاه، الاستشارية النفسية البارزة في مستشفى 'سيفي' بالهند، أن العقل البشري لا يعمل وفقاً لمواعيد نهائية صارمة أو تحولات فورية. فبينما تُقلب صفحات التقويم في الأول من يناير، فإن الأيام الأولى من العام تمثل انتقالاً نفسياً بطيئاً وليست إعادة ضبط تلقائية. وتشدد شاه على أن شهر يناير ليس منصة إطلاق لتحول جذري فوري، بل هو فترة تكيف تسمح للعقل بإعادة توازنه تدريجياً، بعيداً عن أي ضغوط تستدعي التغيير الفجائي.

ثقل الماضي وتأثير المعالم الزمنية

تضيف الدكتورة شاه أن الأعباء العاطفية للعام المنصرم نادراً ما تختفي بين عشية وضحاها. فالمواعيد النهائية للعمل، والالتزامات الاجتماعية، والضغوط المالية، والروابط العائلية غالباً ما تمتد لتلقي بظلالها على العام الجديد، تاركة حلقات عاطفية غير محلولة. في المقابل، يدرك علم النفس السلوكي القوة الكامنة في "المعالم الزمنية" مثل بداية عام جديد. هذه المعالم تشجع الأفراد على التأمل العميق وإعادة تقييم هويتهم وتطلعاتهم، مما يوفر فرصة فريدة للنمو الشخصي ولكن بشرط الاستناد إلى الواقعية.

مخاطر التوقعات المفرطة: ضغط نفسي إضافي

وتحذر بافيا شاه من أن ظاهرة "تأثير البداية الجديدة" لا يمكن أن تؤتي ثمارها الإيجابية إلا إذا استندت إلى الواقع الملموس، بعيداً عن التوقعات الخيالية أو الضغوط الخارجية. فمع استئناف النشاط في أماكن العمل والعودة إلى الروتين اليومي، تتزايد التوقعات بصمت. تتزين منصات التواصل الاجتماعي بمخططات الأهداف الطموحة، وطقوس الإنتاجية، وقصص التحول الجذري، مما يلقي بعبء نفسي إضافي على كاهل الفرد، ويزيد من شعوره بالقلق أو التأخر إن لم يحقق هذه المعايير غير الواقعية.

التغيير المستدام: الرفق بالذات بدلاً من الاستعجال

تؤكد الأبحاث المتخصصة في تكوين العادات على هذه الرؤية؛ فالتغيير المستدام يعتمد بشكل جوهري على الاستمرارية، والتخطيط المحكم، والرفق بالذات، وليس على الاستعجال والاندفاع. فالعقل البشري يستجيب سلبياً للضغط، بينما يتفاعل بإيجابية مع الصبر والروتين المنتظم. لذا، تدعو الدكتورة شاه إلى إعادة تعريف الأسبوع الأول من العام ليكون بمثابة "وقفة استراحة" هادئة بدلاً من "استعراض للأداء" المجهد. إنه وقت للعودة التدريجية إلى الروتين اليومي، والاستماع إلى المؤشرات العاطفية الداخلية، ووضع نوايا مرنة للتغيير بدلاً من القرارات الصارمة والمطلقة.

إعادة الضبط النفسي الحقيقية: مساحة للانتقال التدريجي

في نهاية المطاف، لا تحدث إعادة الضبط النفسي الحقيقية عند منتصف ليل الأول من يناير، بل هي عملية تتطلب أن يمنح الأفراد أنفسهم المساحة الكافية للانتقال التدريجي، دون الوقوع في فخ المقارنات السلبية، أو الشعور بالذنب، أو الاستعجال المفرط. فالأسبوع الأول من العام لا يتعلق بالتحول إلى شخص جديد كلياً، بل يتعلق بالعودة اللطيفة والواعية إلى الذات، واكتشاف احتياجاتها الحقيقية.

مرحلة إعادة التوجيه المعرفي وتفاوض الهوية

وتشير الدكتورة بافيا شاه إلى أن عدم الانسجام الفوري مع طاقة التغيير يولد غالباً القلق أو الشك في الذات. نفسياً، يعتبر الأسبوع الأول من يناير مرحلة "إعادة توجيه معرفي"، حيث يسعى العقل للانفصال عن أعباء العام السابق، ومراجعة أنماط الإرهاق العاطفي، والاحتراق النفسي، والاحتياجات الشخصية التي لم تُلبَّ. هذه المرحلة هي وقت للوعي والتأمل، وليست للتنفيذ الفوري. فمشاعر الملل أو الرغبة في الصمت والتأمل الذاتي، غالباً ما تُفسر خطأً على أنها نقص في الدافعية، بينما هي في الواقع إشارات قوية تدل على أن العقل يقوم بعمل داخلي جوهري وحاسم لإعادة بناء ذاته.

وتضيف استشارية الطب النفسي أن هناك عنصراً حيوياً آخر في عملية إعادة الضبط، وهو التفاوض مع الهوية. يلاحظ الكثيرون أنهم يدخلون العام الجديد معتقدين أن عليهم أن يصبحوا "نسخة أفضل" من أنفسهم. وبينما يعد النمو الشخصي أمراً صحياً وضرورياً، تظهر المشكلات عندما ينظر الفرد إلى "ذاته الحالية" كشيء يجب رفضه أو محوه، بدلاً من اعتبارها نقطة انطلاق للتطور والتحسين. التغيير الفعال يكمن في البناء على ما هو موجود، لا في هدمه.

لمزيد من الأخبار والتحليلات المتعمقة، تابعوا بوابة إخباري.

الكلمات الدلالية: # بداية العام الجديد # إعادة الضبط النفسي # بافيا شاه # الصحة النفسية # التغيير المستدام # علم النفس السلوكي