في تذكير إلهي عميق، يؤكد القرآن الكريم أن صغير اليوم هو شيخ الغد، في دعوة صريحة للترفق بكبار السن وخفض الجناح لهم والصبر عليهم، تمامًا كما صبروا على صغارهم. هذا ما تناولته حلقة برنامج "رفقًا" بتاريخ 15 مارس 2026، والتي شددت على أن الإحسان إلى الوالدين وكبار السن ليس مجرد فضيلة، بل هو ركيزة أساسية في بناء مجتمع متراحم ومترابط.
منهج النبوة في توقير الكبير
يشير مقدم البرنامج، الداعية فهد الكندري، إلى ضرورة الإنصات لصوت الكبار اليوم، لأن الإنسان سيشتاق إليه غدًا، فـ"لا حال يدوم في الدنيا". ويؤكد الدين الإسلامي على مكانة كبار السن، حتى لو لم يكونوا آباءنا، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من لم يوقر كبيرنا"، وأمر بالتخفيف عنهم ومراعاتهم بقوله: "إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة". هذه الأحاديث النبوية ترسي قواعد واضحة للاحترام والتقدير الذي يجب أن يُمنح لكل كبير في السن، اعترافًا بفضلهم وحكمتهم.
ويضيف الداعية يوسف البوعنين أن البركة تتجلى في التعامل مع كبار السن، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "البركة مع أكابركم (كباركم)". ويشدد البوعنين على أن تقدير الكبير وإجلاله هو تنفيذ لأمر رسول الله، وأن ما يقدمه الشاب لهؤلاء اليوم هو "سلف ودين" سيُرد إليه غدًا. وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على هذا المبدأ بقوله: "ما أكرم شاب رجلاً لسنه إلا وقيّض الله له من يكرمه عند سنه".
اقرأ أيضاً
- وفاة تشو رونغجي: رئيس وزراء الصين الأسبق ومهندس نهضتها الاقتصادية عن 97 عامًا
- جنوب إفريقيا تطالب دولاً إفريقية بتعويضات عن ترحيل المهاجرين
- ارتفاع حصيلة ضحايا غرق عبارة في بحيرة كاريبا بزيمبابوي إلى 44 قتيلاً
- ألمانيا تعزز أجهزتها الاستخباراتية لمواجهة تهديدات القوى الأجنبية والهجمات السيبرانية
- إعصار دولفين يضرب الصين: إجلاء جماعي في بكين وتحذيرات من أمطار تاريخية
التجاهل والعقوق: مشكلة مجتمعية متنامية
تكمن المشكلة، كما يوضح الداعية يوسف البوعنين، في أن البعض من الصغار يتجاهلون هذه البركة وهم يتعاملون مع كبار السن. ولا يتوقف الأمر عند عدم التقدير أو الإجلال، بل يتفاقم ليبلغ حد التعدي والإهانة، حتى من الابن لأبيه، الذي أوصى الله تعالى بخفض الجناح له وعدم التأفف حتى في وجهه، في قوله تعالى: "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا".
قصة العم يوسف: مرآة للعقوق
يقدم البرنامج قصة مؤثرة للعم يوسف، وهو مسن مصري لديه تسعة من الأولاد والبنات، لكنه يعيش في إحدى دور المسنين بعدما تخلوا عنه جميعًا. تعرض العم يوسف للإساءة والاعتداء من أبنائه، مما اضطره لهجرهم خوفًا منهم. وقد انتهى الحال بالرجل في جمعية "دار اليمن" للمسنين، حيث يقول مديرها عادل محيي إن العم يوسف "يحمل الحب للناس لكنه حُرم رحمة أولاده به". تعد قصة العم يوسف مثالًا صارخًا للعقوق الذي نهى الله ورسوله عنه، وحذرا من مغبته، حيث وردت معاملة الوالدين مقرونة بالإحسان وتالية للأمر بعبادة الله وحده.
تفسير قرآني عميق: الإحسان بالذات
في تفسير الآية الكريمة: "وبالوالدين إحسانا"، يوضح الداعية يوسف البوعنين أن العلماء فسروا حرف الباء الذي سبق "الوالدين" بلزوم الإحسان من الابن نفسه. وهذا يعني أن يرعى الابن والديه ويخدمهما بنفسه، لا أن يوفر لهما من يقوم على أمرهما ويكتفي بذلك، مؤكدًا على البعد الشخصي والمباشر في رعاية الوالدين.
تحديات دور المسنين وعقلية العصر
تواجه دور المسنين تحديات كبيرة، يصفها مدير دار اليمن بـ"الرفض الشاذ من ذويهم الذين تعبوا من رعايتهم، ولم يعودوا راغبين حتى في معرفة أخبارهم". ويعزو الداعية البوعنين إحدى المشاكل التي تضرب مجتمع اليوم إلى تعامل الشاب مع الكبير بعقلية الإنجاز والسرعة، لا بعقلية الرحمة. فكثيرون ينسون صبر والديهم عليهم حتى يعلِّماهم الكلام. ويشدد البوعنين على أنه حتى لو كان كبير السن جافًا في حديثه أو حادًا في معاملته، لا يجوز للصغير أن يعامله بالمثل، وإنما بالترفق الذي مارسه النبي صلى الله عليه وسلم حتى مع الكفار.
خاتمة: دعوة للرحمة والوفاء
في الختام، يذكّرنا برنامج "رفقًا" بأن الإحسان إلى الوالدين وكبار السن هو استثمار في المستقبل، وضمان لبركة الحياة، ووفاء لمن قدموا لنا أغلى ما يملكون. إنها دعوة لتجديد العهود بالرحمة والتقدير، وتطبيق للمبادئ الإسلامية السامية التي تجعل من المجتمع نسيجًا واحدًا متراحمًا.