بيرو - وكالة أنباء إخباري
براز الطيور: سر الازدهار الخفي لمملكة تشينشا القديمة
لطالما ارتبط نجاح الحضارات القديمة بالقوة العسكرية، وشبكات الطرق الواسعة، والتجارة المزدهرة. ومع ذلك، تكشف دراسة حديثة عن عنصر غير متوقع، وربما مثير للاشمئزاز بعض الشيء، كان له دور محوري في قوة مجتمع ما قبل الإنكا في بيرو: سماد طيور البحر، المعروف باسم الغوانو.
تتركز هذه الاكتشافات حول مملكة تشينشا (1000-1400 م)، وهي قوة ساحلية سيطرت على وادي تشينشا في جنوب بيرو الحالية. لم تكن هذه المملكة مجرد كيان سياسي؛ بل كانت مركزًا تجاريًا حيويًا، اشتهرت بقواربها الكبيرة وقدرتها على التجارة عبر مسافات بعيدة. في النصف الأول من القرن الخامس عشر، تم دمج المملكة في إمبراطورية الإنكا الأكثر شهرة، ولكن اللافت للنظر أن هذا الاندماج تم دون صراع كبير، مما يشير إلى طبيعة علاقاتها القوية وربما دبلوماسيتها. ولكن ما الذي يمكن أن تكون المملكة قد استخدمت براز الطيور من أجله؟ الإجابة، وفقًا لدراسة نُشرت مؤخرًا في مجلة PLOS One، هي الأسمدة، وتحديداً لزراعة الذرة، وهو المحصول الأساسي الذي يدعم المجتمعات القديمة.
اقرأ أيضاً
- الكونغرس الأمريكي يتهم الملياردير ليون بلاك بـ"ازدراء السلطة التشريعية" في قضية إبستين
- انهيار مأساوي في غزة: 21 قتيلًا بينهم 8 أطفال جراء انهيار مبنى متضرر بالحرب
- الاتحاد الأوروبي يفتح الباب أمام كندا: مقترح "عضوية شرفية" فريدة
- صور مسربة تكشف حجم الأضرار البالغة في القواعد الأمريكية جراء الهجمات الإيرانية
- الاحتياطي الفيدرالي يرفع أسعار الفائدة الأمريكية لأول مرة منذ ثلاث سنوات: مواجهة التضخم
الغوانو: الذهب الأبيض لوادي تشينشا
يوضح جاكوب بونجرز، المؤلف الرئيسي للورقة البحثية وعالم الآثار الرقمي بجامعة سيدني، أن «المجتمعات في جنوب بيرو قبل عصر الاستعمار استخدمت سماد طيور البحر لزراعة الذرة قبل 800 عام على الأقل». ويضيف بونجرز: «بصفته سمادًا فعالًا وذا قيمة عالية، مكّن الغوانو المجتمعات المحلية من زيادة غلة المحاصيل وتوسيع شبكات التجارة، مما شكل التوسع الاقتصادي لمملكة تشينشا وعلاقتها اللاحقة بإمبراطورية الإنكا في القرن الخامس عشر.» هذا الكشف يغير فهمنا لكيفية تحقيق هذه الحضارات لاكتفائها الذاتي وازدهارها، مشيرًا إلى أن الابتكار الزراعي كان بنفس أهمية، إن لم يكن أكثر أهمية، من القوة العسكرية.
قام بونجرز وزملاؤه بالتحقيق في الاستخدام المحتمل للغوانو من قبل التشينشا كسماد، متناولين الموضوع من خلال مزيج من الجيوكيمياء، وعلم الآثار، والمصادر التاريخية. على الجانب الجيوكيميائي، قاموا بتحليل بقايا أكواز الذرة المحفوظة ووجدوا مستويات عالية بشكل مدهش من النيتروجين بالنظر إلى التربة المحلية التي كانت ستنمو فيها. هنا يأتي دور طيور البحر؛ فنظامها الغذائي البحري يجعل سمادها غنيًا بالنيتروجين بشكل خاص. يشير التحليل إلى أن التشينشا كانوا يستخدمون براز الطيور بحلول حوالي عام 1250 م، وأن الفريق يعتقد أن التشينشا قاموا على الأرجح بنقل الغوانو من جزر تشينشا القريبة، وهي جزر معروفة بغناها بفضلات الطيور المتراكمة عبر آلاف السنين.
البيئة والفن: شهادة على المعرفة القديمة
على الجانب الأثري والتاريخي، فحص الفريق الفخار، والمنسوجات، واللوحات، والمنحوتات الجدارية التي تظهر فيها الطيور البحرية، والأسماك، والذرة النابتة معًا. هذه الصور ليست مجرد زخارف؛ بل هي شهادة على الفهم العميق للتشينشا للعلاقات البيئية المترابطة. تقول جو أوزبورن، عالمة الآثار الأنثروبولوجية بجامعة تكساس إيه آند إم والمؤلفة المشاركة في الدراسة: «تساعدنا الأدلة من الوثائق التاريخية وفن التشينشا على فهم أهمية الغوانو وطيور البحر للتشينشا.» وتضيف: «نحن نرى أن هذا لم يكن مجرد تقنية استخراجية بالنسبة لهم، بل كان جزءًا من علاقاتهم مع العالم الطبيعي. لقد كانت لديهم معرفة بيئية عميقة بالعلاقات بين الأسماك والطيور والأسمدة، وينعكس أهمية هذه الطيور على نطاق واسع في أعمالهم الفنية.»
تعتقد أوزبورن أن هذه المعرفة البيئية هي الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في الدراسة. بعبارة أخرى، بالإضافة إلى ارتباط سماد طيور البحر بالقوة السياسية والاقتصادية، فقد مثل هذا المورد أيضًا فهمًا لديناميكيات الطبيعة التي لعبت دورًا ثقافيًا مهمًا في مجتمع تشينشا. لم يكن الأمر مجرد استغلال للموارد، بل كان دمجًا للمعرفة البيئية في نسيج حياتهم اليومية ومعتقداتهم.
تختتم أوزبورن قائلة: «أعتقد أن نجاحهم جاء من كيفية دمجهم لهذه المعرفة في نسيج مجتمعهم نفسه.» وتوضح: «عالمهم الفريد، الذي شمل تبجيل الجزر والاحترام العميق لطيور الغوانو، سمح لهم بإدارة مورد حيوي بشكل مستدام، مما غذى ازدهارهم وسهل في النهاية اندماجهم الناجح في إمبراطورية الإنكا.» هذه الرؤية تقدم نموذجًا قويًا لكيفية أن المعرفة البيئية والإدارة المستدامة للموارد يمكن أن تكون أساسًا للقوة والاستمرارية في الحضارات القديمة، وتوفر دروسًا قيمة للعصر الحديث.