الأربعاء، ٧ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ / 19 أغسطس 2026 م 08:15 م بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

بعوض النمر: رحلة امتصاص الدماء تعود إلى 1.8 مليون سنة

دراسة جينية تكشف عن أصول العداء القديم بين البشر والبعوض في
استمع للخبر فن و مشاهير عبد الفتاح يوسف 2026-02-28 13:00 21
بعوض النمر: رحلة امتصاص الدماء تعود إلى 1.8 مليون سنة

جنوب شرق آسيا - وكالة أنباء إخباري

البعوض: تاريخ طويل من الافتراس يعود إلى 1.8 مليون سنة

تُعد البعوض، وبلا شك، واحدة من أخطر الحيوانات على البشر، حيث تتسبب في أمراض فتاكة مثل الملاريا التي تودي بحياة مئات الآلاف سنويًا. لكن الأبحاث العلمية الحديثة تكشف عن جذور أعمق لهذا العداء القديم، مشيرة إلى أن هذه العلاقة الدموية بدأت منذ ما يقرب من 1.8 مليون سنة، وذلك بفضل تحليل جيني متقدم لأنواع معينة من البعوض.

لطالما شكلت البعوض تهديدًا صحيًا عالميًا. لا تزال الملاريا، التي ينقلها هذا الحشرة الصغيرة، تقتل ما يزيد عن 600 ألف شخص كل عام، بينما يعيش حوالي نصف سكان العالم تحت خطر الإصابة بها رغم التقدم الطبي الكبير. بالإضافة إلى ذلك، فإن لعاب البعوض ينقل بانتظام أمراضًا خطيرة أخرى مثل فيروس غرب النيل، وحمى الضنك، وأنواع مختلفة من التهاب الدماغ.

لكن ليس كل أنواع البعوض مسؤولة عن هذه المخاطر. فالمتسبب الرئيسي في نقل الملاريا ينتمي إلى مجموعة *Anopheles leucosphyrus*، وهي مجموعة تشكل نسبة صغيرة نسبيًا من بين حوالي 3500 نوع معروف من البعوض على كوكب الأرض. السؤال الذي يطرح نفسه هو: متى ولماذا أصبح البشر فريسة لهذا التهديد اللعين؟

بناءً على تحليل جيني حديث، يبدو أن هذه الملحمة القاتلة بدأت عندما هاجر البشر الأوائل (الهومينين) إلى جنوب شرق آسيا قبل حوالي 1.8 مليون سنة. هذه النتائج، التي نشرت في مجلة *Scientific Reports*، تعتمد على دراسة أجراها فريق بحث دولي قام بتسلسل الحمض النووي لـ 38 عينة بعوض من 11 نوعًا مختلفًا ضمن مجموعة *Leucosphyrus*، تم جمعها من جنوب شرق آسيا بين عامي 1992 و2020. باستخدام نماذج حاسوبية لتقدير معدلات طفرات الحمض النووي على المدى الطويل، تمكن العلماء من بناء تاريخ تطوري أوسع لهذه الحشرات.

يكشف التحليل أن تفضيل دم الإنسان قد تطور مرة واحدة فقط داخل مجموعة *Leucosphyrus*، وذلك في الفترة ما بين 2.9 و 1.6 مليون سنة مضت، وتحديدًا في منطقة سوندا لاند، التي تشمل بورنيو وجاوا وشبه الجزيرة الماليزية وسومطرة. قبل هذه الطفرة الجينية، كان البعوض يكتفي بالتغذي على الرئيسيات غير البشرية القريبة. ويتوافق هذا التاريخ المقترح مع أقدم التواريخ التي اقترحها علماء الأنثروبولوجيا القديمة لوصول الإنسان المنتصب *Homo erectus* إلى سوندا لاند قبل حوالي 1.8 مليون سنة.

من المثير للاهتمام أن الإنسان الحديث لم يصل إلى هذه المنطقة إلا قبل 76,000 إلى 63,000 سنة مضت، مما منح البعوض وقتًا كافيًا لتطوير تفضيله للهومينين. هذه الاكتشافات الجديدة تتجاوز النظريات السابقة حول تطور البعوض، وخاصة بالنسبة للأنواع الناقلة للملاريا في أفريقيا مثل *Anopheles gambiae* و *Anopheles coluzzii*. قبل هذه الاكتشافات الجينية الأخيرة، كان الباحثون يعتقدون أن تفضيل دم الإنسان قد بدأ فقط بين 509,000 و 61,000 سنة مضت.

ولكن لكي يتمكن البعوض من التغذي على البشر، كان عليه أن يطور القدرة على تحديد مواقعهم. يُعتقد أن البعوض قد طور مستقبلات جينية لاكتشاف رائحة جسم الإنسان ببطء على مر الزمن. ولكي يحدث هذا، كان لابد من وجود تعداد سكاني كبير من الإنسان المنتصب *H. erectus* في منطقة سوندا لاند قبل حوالي 1.8 مليون سنة. وبهذه الطريقة، يجادل العلماء بأن دراسة تطور البعوض يمكن أن تساعد في سد الفجوات المعرفية حول تطور الهومينين وهجراتهم، خاصة في مناطق مثل جنوب شرق آسيا التي تفتقر إلى سجلات أحفورية محدودة نسبيًا.

تُسلط هذه الدراسة الضوء على التفاعل المعقد والطويل الأمد بين البشر والحشرات، وتؤكد على الدور المحوري الذي تلعبه التغيرات البيئية والتطورية في تشكيل مسار صحة الإنسان. إن فهمنا المتزايد لأصول الأمراض التي ينقلها البعوض يوفر رؤى قيمة لتطوير استراتيجيات أفضل لمكافحة هذه الآفات ووقاية المجتمعات من تهديداتها المستمرة.

# البعوض، الملاريا، تطور الإنسان، جينات البعوض، جنوب شرق آسيا، الإنسان المنتصب، سوندا لاند، الأمراض المنقولة بالنواقل، تاريخ البشر، علم الحفريات
اقرأ هذا الخبر