إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
--° القاهرة

تآكل هالة ترامب: جيوب التمرد تتسع في مواجهة سعيه للسلطة المطلقة

استمع للخبر Saudi 365 2026-02-13 19:32 13
تآكل هالة ترامب: جيوب التمرد تتسع في مواجهة سعيه للسلطة المطلقة

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

في تحول لافت يعكس ديناميكيات السلطة المتغيرة في واشنطن، يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه محاطاً بتحديات متزايدة ومعارضة لم تعد تقتصر على خصومه التقليديين. فبعد فترة طويلة من ادعائه المتكرر بأن له الحق في فعل ما يشاء بصفته رئيساً، بدأت سلطته المطلقة المزعومة تواجه جيوباً من التمرد، وإن كانت صغيرة لكنها ذات دلالة عميقة، تمتد من أروقة المحاكم إلى قاعات الكونغرس وحتى داخل صفوف حزبه الجمهوري.

كل أسبوع، تتزايد الأصوات التي تجرؤ على تحدي الرئيس، متجاوزة حاجز الخوف الذي كان يحيط بهالة نفوذه. هذه المعارضة المتصاعدة لا تستهدف سياساته فحسب، بل تمتد لتشمل أهدافه الشخصية الأكثر أهمية، مستمدة قوتها من العمل السياسي المنظم، والقرارات القضائية، وغضب المواطنين، والقوة التي لا مفر منها للسياسة الانتخابية. وتُشير التطورات الأخيرة إلى أن ترامب، رغم استعراضاته المتكررة للقوة، يواجه حدوداً لسلطته قد تكون أوسع مما يدرك.

تراجع في مينيسوتا: انتصار الإرادة الشعبية

تجلت إحدى أبرز علامات التراجع مؤخراً في ولاية مينيسوتا، حيث أعلن توم هومان، المسؤول عن ملف الحدود في إدارة ترامب، عن إنهاء إرسال آلاف الضباط الفيدراليين إلى الولاية. ورغم إصراره على أن حملة الترحيل الوطنية مستمرة وأن القوة الفيدرالية قد حققت أهدافها باعتقال أكثر من 4000 شخص، إلا أن رحيل هذه القوات والتراجع عن استخدام التكتيكات الأكثر عنفاً في الشوارع يمثل تراجعاً واضحاً. جاء هذا القرار بعد أسابيع من الاحتجاجات الجماهيرية العنيفة والغضب الشعبي الذي تلاه مقتل مواطنين أمريكيين، رينيه غود وأليكس بريتي، في وضح النهار، ما جعل سياسات التطهير في مينيسوتا غير قابلة للاستمرار.

من جانبه، احتفل حاكم مينيسوتا الديمقراطي، تيم والز، بانتهاء ما وصفه بـ"غزو فيدرالي غير مسبوق"، معتبراً أن نهاية هذه المواجهة، التي تسببت في أضرار اقتصادية واجتماعية جسيمة، تحمل معنى أوسع. وصرح والز قائلاً: "أعتقد أنه من الآمن القول إن بقية البلاد ستظل ممتنة إلى الأبد لأننا أظهرنا معنى الوقوف إلى جانب الحق"، ما يعكس انتصاراً للإرادة المحلية على التوجهات الفيدرالية.

المحاكم كحصن للمعارضة: صمود مبدأ سيادة القانون

شكّلت السلطة القضائية رادعاً فعالاً آخر لمساعي ترامب نحو تعزيز سلطته، حتى مع تحقيق إدارته لانتصارات في قضايا كبرى. ففي واشنطن، رفض قاضٍ طلباً تقدم به وزير الدفاع، بيت هيغسيث، لمعاقبة الكابتن المتقاعد في البحرية والسيناتور الديمقراطي عن ولاية أريزونا، مارك كيلي، بتهمة "التحريض على الفتنة"، وهي من أخطر التهم الموجهة لأي فرد. ورغم إعلان هيغسيث أن الإدارة ستستأنف القرار "فوراً"، إلا أن قرار المحكمة يمثل تحدياً لسلطة الإدارة.

وفي تطور منفصل، رفضت هيئة محلفين كبرى التصديق على لائحة اتهام وجهتها وزارة العدل ضد كيلي وخمسة مشرعين ديمقراطيين آخرين، جميعهم من قدامى المحاربين العسكريين أو الاستخباراتيين. كانت لائحة الاتهام مبنية على خلفية فيديو ينصح فيه الجنود بعدم اتباع أوامر غير قانونية. وقد علّق كيلي على ذلك قائلاً: "مهما حاولت إدارة ترامب جاهدةً معاقبتي وإسكات الآخرين، فسأقاتل بضراوة أكبر. هذه القضية بالغة الأهمية"، مؤكداً على أهمية صمود مبدأ سيادة القانون.

انشقاقات جمهورية: تحديات داخل البيت الواحد

امتدت جيوب المعارضة لتصل إلى قلب الحزب الجمهوري، حيث تحدّى ستة من أعضاء الحزب قيادتهم وصوّتوا مع الديمقراطيين في مجلس النواب لإلغاء الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس على كندا. يعكس هذا التصويت قلقاً متزايداً بشأن التكلفة الاقتصادية لسياسات ترامب التجارية التي تُصنف بأنها تعود إلى القرن التاسع عشر. كما انضم ثلاثة أعضاء جمهوريين آخرين إلى الديمقراطيين لإحباط مساعي رئيس مجلس النواب، مايك جونسون، لمنع التصويت مستقبلاً على رسوم ترامب الجمركية.

هاتان المواجهتان التجاريتان تسلطان الضوء على حقيقة أن الرئيس لم يعد بإمكانه الاعتماد على أغلبية فعالة في مجلس النواب المنقسم بشدة في بعض القضايا، لا سيما مع تراجع شعبيته في استطلاعات الرأي حيث استقرت نسبة تأييده عند 39% وفقاً لمتوسط استطلاعات شبكة CNN. وقد جاءت هذه الانشقاقات في أعقاب ثورة أوسع نطاقاً ضد الرئيس في أواخر العام الماضي، والتي أجبرت وزارة العدل على الإفراج عن ملفات جيفري إبستين، ما أدى إلى إطالة أمد الجدل الذي يثير غضب الرئيس، ولكنه لا يستطيع إنهاءه، في علامة أخرى على تراجع نفوذه السياسي.

النفوذ المستمر والتحولات المحتملة

رغم هذه التحديات، لا يزال ترامب يتمتع بنفوذ هائل في الداخل والخارج. فقد استعرض هذا النفوذ مؤخراً بإلغاء صلاحيات وكالة حماية البيئة في مكافحة انبعاثات الغازات الدفيئة، في خطوة تقوض إرث إدارتي أوباما وبايدن في مجال المناخ. كما أن إقالة رئيسة مكافحة الاحتكار الحكومية، أبيجيل سلاتر، التي كانت تدفع باتجاه تشديد الرقابة على عمالقة التكنولوجيا الذين رحب بهم ترامب، ستزيد من المخاوف بشأن تنامي الفساد الاقتصادي.

وفي الخارج، يعمل الحلفاء على إيجاد سبل للتعايش مع سياسات الرئيس الأمريكي التي وصفها تقرير قبيل مؤتمر ميونيخ للأمن السنوي بأنها "مدمرة". ودعا رئيس الوزراء الكندي السابق، مارك كارني، "القوى المتوسطة" في العالم إلى التصدي للقوى العظمى المتسلطة. ومع ذلك، تبقى قدرة ترامب على ممارسة سلطته، لا سيما كقائد أعلى للقوات المسلحة، واضحة كما تجلى في العملية الأمريكية لإخراج الديكتاتور الفنزويلي نيكولاس مادورو.

إن انتصارات خصوم ترامب، وإن كانت صغيرة، لا تُزعزع رئاسته على المدى القريب، لكنها تؤكد أن قواعد السياسة المعتادة لا تزال سارية. إن تراجع شعبيته يشجع خصومه على مزيد من التحدي. ففي حين يحاول الديمقراطيون تعزيز نفوذهم في الكونغرس، رغم افتقارهم للسيطرة على أي فرع من فروع الحكومة، تظهر مؤشرات على أن الصورة النمطية لترامب كقوة مطلقة بدأت تتلاشى.

وكما صرحت السيناتور الديمقراطية إليسا سلوتكين لشبكة CNN: "لا أتوقع من الشخص العادي أن يقوم بأعمال شجاعة عادية كل يوم. أطلب منكم بذل جهد أكبر قليلاً مما اعتدتم عليه، لأنني أعتقد أنه كما أن الخوف مُعدٍ، فإن الشجاعة كذلك". تستند حجة سلوتكين إلى فكرة أن هالة الغموض التي تحيط بترامب ستتلاشى حتماً بمجرد أن يدرك الناس أنه ليس بتلك القوة المطلقة التي يدعيها.

في نهاية المطاف، قد تُنذر التحولات السياسية الطفيفة الآن بتحولات أكبر في الأشهر المقبلة. فكما بدأت حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً" (MAGA) التي يقودها ترامب بداية متواضعة، مع نجم تلفزيوني لم يأخذه أحد على محمل الجد وهو ينزل على سلم ذهبي متحرك في عام 2015، فإن مسار أي ظاهرة سياسية يمكن أن يشهد تغيرات غير متوقعة. يبقى السؤال هو إلى أي مدى سيتمكن النظام الجمهوري الأمريكي من حماية مبدأ الفصل بين السلطات في مواجهة سعي الرئيس المستمر لتوسيع نفوذه.

# دونالد ترامب # السلطة الرئاسية # المعارضة الأمريكية # الكونغرس # المحاكم # مينيسوتا # الرسوم الجمركية # الانتخابات النصفية # السياسة الداخلية الأمريكية # جيوب التمرد # النفوذ السياسي
اقرأ هذا الخبر