الأربعاء، ١٤ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ / 26 أغسطس 2026 م 09:37 ص بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

تأجيل قانون العفو العام في فنزويلا يثير الجدل: ضغط أمريكي وتعهدات متضاربة ومصير مادورو

استمع للخبر الشرق الأوسط عبد الفتاح يوسف 2026-02-13 18:12 43
تأجيل قانون العفو العام في فنزويلا يثير الجدل: ضغط أمريكي وتعهدات متضاربة ومصير مادورو

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

في خطوة تعكس عمق التوترات السياسية والضغوط الدولية التي تمر بها فنزويلا، أرجأ البرلمان الفنزويلي بشكل مفاجئ اعتماد قانون العفو العام، الذي كان يُنتظر أن يفتح الباب أمام إطلاق سراح جماعي للسجناء السياسيين في البلاد. يأتي هذا التأجيل رغم تعهدات متكررة من السلطة الفنزويلية بإقرار القانون تحت ضغط مكثف من الولايات المتحدة، مما دفع عائلات السجناء والمعارضة إلى التعبير عن خيبة أملها واحتجاجاتها في الشوارع. هذه التطورات تضع فنزويلا على مفترق طرق حرج، حيث تتشابك الوعود بالإصلاح السياسي مع المصالح الاقتصادية والمطالب المتبادلة بين كاراكاس وواشنطن.

تأجيل مثير للجدل واحتجاجات عائلات السجناء

صوّت البرلمان الفنزويلي بالإجماع على إرجاء الجلسة الثانية لاعتماد قانون العفو العام، التي كانت مقررة الثلاثاء الماضي. وبرر خورخي أريازا، رئيس اللجنة المكلفة بصياغة القانون، هذا التأجيل بضرورة "الحفاظ على مناخ المصالحة والتوافق الضروري"، لتجنب "نقاشات غير ضرورية" وتمكين البرلمان من الموافقة عليه خلال دورته المقبلة. إلا أن هذا التبرير لم يمنع ردود الفعل الغاضبة، حيث أقدم ستة من أقارب السجناء السياسيين على تقييد أنفسهم بالسلاسل قرب مدخل سجن "زونا 7" في العاصمة كراكاس، تعبيراً عن يأسهم ومطالبتهم بسرعة إقرار القانون الذي يرون فيه بصيص أمل لأحبائهم.

تزامن هذا التأجيل مع تصاعد الحراك المعارض في البلاد. فمنذ اعتقال الرئيس السابق نيكولاس مادورو على يد القوات الأمريكية في 3 كانون الثاني/يناير، شهدت كراكاس أول تظاهرة معارضة كبرى شارك فيها آلاف الأشخاص داخل حرم الجامعة المركزية الفنزويلية. هذه التظاهرات تعكس حالة الغليان الشعبي والمطالبة بالعدالة والإصلاح، وتزيد من الضغط على الحكومة المؤقتة التي تقودها الرئيسة بالوكالة ديلسي رودريغيز.

وعود بالإصلاح السياسي وفتح اقتصادي تحت الضغط الأمريكي

الرئيسة بالوكالة ديلسي رودريغيز، التي تولت مهامها عقب اعتقال مادورو، كانت القوة الدافعة وراء مقترح قانون العفو العام، وسارعت إلى تقديم تعهدات مهمة للمجتمع الدولي، خصوصاً للولايات المتحدة. في مقابلة مع شبكة "إن بي سي" الأمريكية، أكدت رودريغيز التزامها بتنظيم انتخابات "حرة ونزيهة" في فنزويلا، قائلة "نعم، بالتأكيد". غير أنها ربطت هذه الوعود بشرط مسبق يتمثل في "بلد بلا عقوبات، لا يخضع للترهيب الدولي ولا لمضايقات من الصحافة الأجنبية"، في إشارة واضحة إلى العقوبات الأمريكية المفروضة على بلادها.

وبالفعل، شرعت رودريغيز في تنفيذ حزمة من التعديلات الهيكلية تحت ضغط واشنطن. شملت هذه التعديلات فتح قطاع النفط الفنزويلي أمام الاستثمارات الخاصة، وهو تحول كبير في سياسة الدولة التي كانت تسيطر بشكل كامل على هذا القطاع الحيوي. كما أقرت إجراءات سمحت بالإفراج المشروط عن أكثر من 400 سجين سياسي، في إشارة إلى رغبة في تحقيق انفراجة جزئية. ومن أهم قراراتها إغلاق سجن "هيليكويد" سيئ الصيت، الذي وصفته المعارضة ومنظمات حقوق الإنسان بمركز للتعذيب، في محاولة لتحسين سجل البلاد الحقوقي.

مصير مادورو يلقي بظلاله على قانون العفو

برغم التقدم الأولي الذي شهد تمرير البرلمان الفنزويلي لمشروع قانون العفو العام في قراءته الأولى الأسبوع الماضي، إلا أن المدعي العام طارق وليام صعب أدخل عنصراً جديداً ومعقداً في المعادلة. فقد اعتبر صعب، خلال حضوره جلسة المشاورات، أن البلاد تستحق السلام وأن الحوار هو السبيل لحل كافة القضايا. لكنه اشترط أن يقترن قانون العفو بخطوة مقابلة من جانب الولايات المتحدة تتمثل في إطلاق سراح الرئيس المخلوع نيكولاس مادورو وزوجته، المحتجزين في نيويورك بانتظار محاكمتهما في قضايا مرتبطة بتجارة المخدرات. هذا الشرط يربط مصير قانون العفو بمصير مادورو، مما يضع واشنطن في موقف حرج ويضيف تعقيداً كبيراً للمفاوضات.

وكان رئيس البرلمان، خورخي رودريغيز، وهو شقيق الرئيسة بالوكالة، قد أكد الأسبوع الماضي أن اعتماد قانون العفو سيترجم بإطلاق سراح جميع السجناء السياسيين "في اليوم نفسه". هذا التباين بين وعود رئاسة البرلمان واشتراطات المدعي العام يعكس الانقسامات داخل السلطة نفسها حول كيفية التعاطي مع هذه القضية الحساسة.

عودة متقلبة للمعارضين وتأثير الضغوط

في غمرة هذه التطورات، تواصل قضية السجناء السياسيين إثارة الجدل. فبعد إعلان السلطات إطلاق سراح القيادي المعارض خوان بابلو غوانيبا، أعيد توقيفه بعد أقل من 12 ساعة ووضع تحت الإقامة الجبرية. واتهمته الحكومة بخرق شروط الإفراج المشروط عندما دعا إلى إجراء انتخابات خلال زيارته لسجن "هيليكويد" ومشاركته في تظاهرة مع أقارب السجناء. غوانيبا، الحليف المقرب من زعيمة المعارضة الحائزة على جائزة نوبل للسلام ماريا كورينا ماتشادو، يمثل رمزاً للصراع المستمر من أجل الحريات في فنزويلا. ورغم المخاوف، أكد نجل المعارض أن "الجميع خائفون، لكن لا بد من مواصلة النضال حتى نتمكن من التحدث والعيش بسلام".

زيارة أمريكية حاسمة وآمال اقتصادية

تزامن الجدل حول مشروع قانون العفو مع زيارة حاسمة لوزير النفط الأمريكي كريس رايت إلى فنزويلا. خلال زيارته التي استمرت يومين، قام رايت بجولة على حقول النفط برفقة الرئيسة بالوكالة رودريغيز. وصرح رايت بأن العلاقات الثنائية وصلت إلى "نقطة تحول"، مؤكداً أن "الحصار المفروض على النفط الفنزويلي انتهى فعلياً". من جانبها، أعربت رودريغيز عن "فخرها الكبير" بتمكنها من "إظهار الحقيقة حول فنزويلا التي لم تستسلم رغم الحصار الإجرامي المفروض على بلدنا". وأكدت رئيسة البعثة الدبلوماسية الأمريكية إلى فنزويلا، لورا دوغو، أن "العمل جار لتهيئة الظروف التي تدفع التحول الاقتصادي في البلاد لصالح الفنزويليين والأمريكيين".

هذه التطورات الاقتصادية تعكس استعداد واشنطن لتخفيف الضغوط مقابل تنازلات سياسية، وعلى رأسها تنظيم انتخابات حرة والإفراج عن السجناء السياسيين. إلا أن اشتراط المدعي العام بربط العفو بإطلاق سراح مادورو يضع تحدياً كبيراً أمام هذه المساعي، ويجعل من مسار فنزويلا نحو الاستقرار السياسي والاقتصادي مرهوناً بتسويات معقدة لم تتضح معالمها بعد. يبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن فنزويلا من تحقيق التوازن بين مطالب العدالة والحرية وبين متطلبات السيادة والمصالح الوطنية في ظل هذا التداخل المعقد من الضغوط الداخلية والخارجية؟

# فنزويلا # قانون العفو العام # السجناء السياسيون # ديلسي رودريغيز # نيكولاس مادورو # الولايات المتحدة # انتخابات حرة # قطاع النفط # كراكاس # حقوق الإنسان
اقرأ هذا الخبر