القاهرة - وكالة أنباء إخباري
تصاعد العنف الاستيطاني يستهدف الأغوار الفلسطينية في الضفة الغربية
تشهد الضفة الغربية المحتلة تصعيداً ملحوظاً في هجمات المستوطنين الإسرائيليين، التي تتجاوز الاعتداءات الفردية لتتحول إلى استراتيجية ممنهجة لفرض السيطرة على الأراضي وتهجير سكانها الأصليين. وتتخذ هذه الحملات ذريعة «معتقدات دينية» مزعومة لإحكام القبضة على مناطق حيوية، كان آخرها إقدام متطرفين إسرائيليين على أداء طقوس تلمودية استفزازية في منطقة «حمامات المالح» بأغوار الضفة الغربية المحتلة، يوم الاثنين الماضي.
وتُعدّ «حمامات المالح» منطقة ذات طبيعة أثرية وبيئية فريدة، لكنها لم تكن ضمن السردية الإسرائيلية التقليدية التي تربط المواقع الدينية بالضفة الغربية، مثل المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي. هذا التحول في استهداف المواقع يشير إلى توسع في الأجندة الاستيطانية، حيث أقحم المستوطنون «حمامات المالح» ضمن مخططاتهم بعد السيطرة على أجزاء منها في هجمات سابقة.
اقرأ أيضاً
في هذا السياق، أكدت منظمة «البيدر» الحقوقية أن المستوطنين «أدوا صلوات تلمودية بطريقة استفزازية تعكس استمرار محاولات السيطرة على الأراضي الحساسة في الأغوار الشمالية». وأوضح المشرف العام على المنظمة، حسن مليحات، أن هذه الممارسات ليست مجرد طقوس دينية عابرة، بل تمثل «رسالة دموية للفلسطينيين بأن عليهم الرحيل فوراً»، مؤكداً أنها «ممارسة سياسية استعمارية تهدف إلى الزعم بأحقية المستوطنين في المكان عبر توظيف الدين وإعلان أن المنطقة المستهدفة أصبحت، من وجهة نظرهم، يهودية مطهرة وعلى العرب الرحيل منها».
تكتيك ممنهج للتهجير القسري
هذه ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المستوطنون إلى أداء طقوس تلمودية في مناطق حساسة بالأغوار. فبحسب مليحات، أُجريت مثل هذه الرقصات والسجود «الملحمي» في مناطق أخرى مثل المعرجات وراس العين، وكانت تتبعها «هجمات دامية أجبرت العائلات على الرحيل». وقال: «لقد رصدنا هجمات دامية بعد هذه الصلوات، وهرب الناس بأولادهم»، واصفاً «الطقوس الاستيطانية رسالة دموية غير معلنة». وأضاف مليحات أن هذه الرقصات عادة ما تسبقها أو تتبعها فتاوى دينية «تحرم على العرب الاقتراب من المكان»، ما يؤكد الطبيعة الممنهجة لهذه الحملات.
تكمن أهمية «حمامات المالح» في موقعها بوادي المالح، الذي يضم 15 تجمعاً بدوياً لا يزال أغلبهم صامداً في مواجهة الضغوط. استهداف هذا الوادي ليس عشوائياً، بل يندرج ضمن خطة إسرائيلية واضحة وطويلة الأمد للسيطرة على منطقة الأغوار بأكملها، والتي يُعدّ الوادي من أجمل أجزائها وأكثرها حيوية. يقع وادي المالح على بعد 13 كيلومتراً شرق مدينة طوباس، ويمثل للفلسطينيين منطقة سياحية عريقة منذ العهد العثماني، حيث يضم الفندق العثماني التاريخي، الذي يُعدّ أقدم فندق في فلسطين، وكان محطة استراحة للسلاطين ونقطة جذب سياحي بفضل ينابيعه الدافئة.
تدمير الموارد ومحو الهوية
يتميز وادي المالح في الأغوار الشمالية بمناخه الدافئ وينابيعه ذات المياه المعدنية الساخنة المتدفقة من نبعي «عياد» و«أيوب»، والتي تلتقي بنبع «أم طيون» البارد، مروراً بأراضي الفارسية وصولاً إلى نهر الأردن. هذه الثروة المائية والطبيعية، التي تضم أيضاً 7000 دونم من الأشجار الحرجية والغابات، وتُؤوي نحو 450 عائلة فلسطينية، جعلت منه منتجعاً طبيعياً يرتاده المتنزهون والسائحون على حد سواء، بهدف التنزه والعلاج.
لكن منذ احتلال عام 1967، سارعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى فرض سيطرتها على المنطقة وثرواتها. فبنت المعسكرات والمستوطنات وحفرت الآبار العميقة للاستيلاء على المياه وتجفيف العديد من الينابيع، بهدف إفراغ المنطقة من سكانها. ووفقاً لمنظمات حقوقية وبيئية فلسطينية، صبّت سلطات الاحتلال في عام 1973 الأسمنت المسلح حول ينابيع المياه المعدنية الساخنة بعمق 20 متراً في محاولة لتخريبها والحد من تدفقها. وتحول الوادي الذي كان يعجّ بالمياه إلى وادٍ شحيح الموارد، وأصبحت تلك المنطقة ذات المناظر الخلابة شبه مهجورة لا يرتادها سوى الرعاة.
أكدت منظمة «بتسليم» الإسرائيلية الحقوقية أهمية المكان، مشيرة إلى أن إسرائيل أنشأت بعد عام 1967 معسكر تدريب يبعد كيلومتراً واحداً شمال الحمّامات، وأغلقت مساحات واسعة أمام السكان. ووفقاً لـ«بتسليم»، ازداد الوضع تدهوراً بشكل كبير منذ السابع من أكتوبر 2023، حيث تصاعدت هجمات المستوطنين، وأقيمت بؤرتان استيطانيتان جديدتان حول التجمعات البدوية: بؤرة «تفتس» (حفات يد هشومير) في أغسطس 2024، وبؤرة «حاجز تياسير» (حفات تسفي هعوفريم) في فبراير 2025. ومن هاتين البؤرتين، يأتي المستوطنون يومياً للتضييق على السكان والاعتداء عليهم.
استهداف استراتيجي: مشروع «إيه - واحد» وتغيير ديمغرافي
إن الهجوم على الأغوار ليس حدثاً معزولاً، بل هو جزء من تصعيد أوسع مكثف بعد أحداث السابع من أكتوبر، ويستهدف بشكل خاص البدو الفلسطينيين. يقول مليحات: «ما يحدث ليس عبثياً، بل يهدف لفرض سيطرة كاملة على مناطق محددة في الضفة الغربية». ويضيف أن المستوطنين يستهدفون منطقتي وسط الضفة والأغوار لسببين رئيسيين: الأول، هو إنشاء مشروع «إيه - واحد» (E-1) الخطير، الذي يهدف إلى خلق تواصل جغرافي استيطاني يقسم الضفة إلى شمال وجنوب، ويمنع إقامة دولة فلسطينية ذات تواصل جغرافي. والسبب الثاني هو فرض سيطرة أمنية كاملة على الحدود مع الأردن، وعزل الضفة عن العالم الخارجي، بالإضافة إلى السيطرة الاقتصادية على مصادر المياه وتنمية المزارع، وبالتالي تغيير الواقع الديمغرافي في المنطقة.
ويواجه البدو في 212 تجمعاً في الضفة مضايقات متزايدة منذ عام 2019، لكن بعد السابع من أكتوبر، تحول الأمر إلى هجمات منظمة وسلسلة من القرارات القضائية التي شرعنت التهجير. حتى الآن، تم طرد عشرات العائلات من تجمعات في الأغوار، فيما يواجه 18 تجمعاً بدوياً كاملاً قرب مستوطنة معالي أدوميم في وسط الضفة خطر التهجير الفوري. وشوهدت على مدار الأسابيع القليلة الماضية هجمات متواصلة للمستوطنين ضد التجمعات البدوية وفي بقية أنحاء الضفة الغربية، وشمل ذلك محاولات قتل وإحراق منازل ومركبات وممتلكات وتهديد ووعيد بالانتقام وترحيل الفلسطينيين. وقد جاء ذلك في سياق تقارير الشرطة الإسرائيلية عن توقيف ثمانية مستوطنين للاشتباه في هجومهم على قرية فلسطينية، وتزامنت هذه الهجمات مع إفادات عن بدء «الكابينت» إجراءات للحد من عنف المستوطنين، وهو ما لم يحد من وتيرة الاعتداءات على الأرض.
أخبار ذات صلة
- عقبات تقنية تعرقل إطلاق آيفون القابل للطي: تأجيل محتمل يثير تساؤلات حول استراتيجية آبل
- جوجل تعزز أمان Gemini بميزات دعم الصحة النفسية وسط دعاوى قضائية حول أضرار الذكاء الاصطناعي
- جوجل تعزز أمان Gemini بميزات دعم الصحة النفسية وسط دعاوى قضائية حول أضرار الذكاء الاصطناعي
- مايكروسوفت تتحدى حدود الفيزياء بشريحة "مايا 200" لترسيخ هيمنتها على سحابة الذكاء الاصطناعي
- مايكروسوفت تتحدى حدود الفيزياء بشريحة "مايا 200" لترسيخ هيمنتها على سحابة الذكاء الاصطناعي