منذ بدء ما تصفه طهران بـ "الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران"، تزايدت التكهنات حول طبيعة ومدى دعم حلفاء الجمهورية الإسلامية، وخاصة الصين وروسيا، بالنظر إلى مصالحهما الاقتصادية والعسكرية والسياسية المشتركة. وفيما دخلت التوترات أسبوعها الثالث، أقرت طهران بوجود تعاون "جيد" مع بكين وموسكو، لكن المدى الفعلي لهذا الدعم يظل محل تساؤل وتحليل من قبل المراقبين الدوليين.
إيران: تأكيد على التعاون متعدد الأوجه
أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في مقابلة حديثة مع شبكة "أم أس ناو" الأمريكية، أن روسيا والصين تقدمان العون لبلاده بطرق متعددة، بما في ذلك "التعاون العسكري". ووصف عراقجي البلدين بأنهما "شريكان استراتيجيان" لطهران خلال هذه المرحلة الحرجة. هذه التصريحات جاءت لتؤكد رواية طهران عن وجود شبكة دعم قوية في مواجهة التحديات الراهنة.
روسيا: حليف متردد ومكاسب خفية؟
تثير طبيعة الدعم الروسي لإيران جدلاً واسعاً. فمن جهة، عززت إيران وروسيا علاقاتهما بشكل ملحوظ خلال العقد الماضي، وشمل ذلك تزويد طهران لموسكو بطائرات مسيرة من طراز "شاهد" لاستخدامها في حرب أوكرانيا، ووصل الأمر إلى إنشاء مصانع لإنتاجها داخل روسيا، حسبما أفاد موقع "بوليتيكو" الأمريكي. وفي السياق الحالي، لم يكشف المسؤول الإيراني عن طبيعة العون العسكري الذي تتلقاه بلاده، لكن صحيفة "واشنطن بوست" وقناة "سي إن إن" أفادتا باحتمال مساعدة روسيا لإيران ببيانات استهداف وتكتيكات متقدمة للطائرات المسيرة، وإن كانت هذه المساعدة محدودة التأثير.
اقرأ أيضاً
من جانبه، تكهن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ربما يقدم مساعدة "طفيفة" لإيران، مرجحاً أن يكون ذلك رداً على دعم الولايات المتحدة لأوكرانيا. ورداً على سؤال لـ"فايننشال تايمز" حول تزويد روسيا لإيران ببيانات عبر الأقمار الصناعية لاستهداف الدروع الصاروخية، قال ترامب: "لا أعلم ما إن كان الأمر كذلك أم لا. ولكن يمكن للمرء أن يجادل أيضاً بأننا قد ساعدنا أوكرانيا إلى حد ما. فمن الصعب القول: 'أنتم تستهدفوننا، في حين أننا كنا نساعد أوكرانيا'".
وعلى النقيض من هذه التكهنات، قدمت مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية تحليلاً مغايراً، مشيرة في مقال بعنوان "لماذا تراقب روسيا إيران وهي تحترق؟" إلى أن موسكو ظلت "مكتوفة الأيدي في الغالب" منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران. وذكّرت المجلة بأن "معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة" الموقعة بين البلدين لا تتضمن بنداً للدفاع المشترك، مما قد يفسر عدم تقديم روسيا مساعدة جوهرية لطهران، على الرغم من دور إيران المهم في حرب أوكرانيا.
ترى "فورين أفيرز" أن هذا العجز يتسق مع توجه موسكو المعتاد في التعامل مع أزمات حلفائها، حيث تكتفي بالإدانة دون فعل يُذكر على الأرض، مستشهدة بحالات مثل سوريا وأرمينيا وفنزويلا. ومع ذلك، لا تستبعد المجلة أن تكون روسيا تقدم مساعدات يصعب رصدها، كقدرات استخباراتية واستطلاع فضائي لتعزيز دقة الاستهداف الإيراني، وإن كانت هذه المساعدات تظل أقل بكثير من الدعم الاستخباراتي الأمريكي لأوكرانيا.
وفي سياق آخر، أشارت المجلة إلى أن الصراع الحالي قد يصب في صالح روسيا، حيث يؤدي استمرار المواجهة إلى ارتفاع أسعار الطاقة، مما يساعد موسكو على جني إيرادات إضافية لمعالجة عجز ميزانيتها الناتج عن حرب أوكرانيا. وعلقت المجلة بأن روسيا "قد تكون عاجزة عن حماية شركائها، إلا أنها تظل بارعة في التكيف مع الإخفاقات الاستراتيجية، وفي جني مكاسب تكتيكية مهمة من رحم تلك الإخفاقات".
الصين: رهان اقتصادي في مهب الريح
أما العلاقة بين طهران وبكين، فيغلب عليها الطابع الاقتصادي بشكل كبير. ففي عام 2021، وقع الطرفان اتفاقية تعاون اقتصادي تمتد لـ25 عاماً، وتتمحور حول بيع احتياطيات إيران النفطية الغنية لتلبية احتياجات الصين من الطاقة. كانت بكين أكبر مستورد للنفط الإيراني في ظل العقوبات الدولية، مما جعلها شريكاً اقتصادياً حيوياً لطهران.
مع بدء الصراع الحالي، تحدثت تقارير كثيرة عن أن أحد أهدافه الاستراتيجية هو سعي واشنطن لتقويض مكانة الصين بتعطيل حصولها على النفط الإيراني الرخيص. ويأتي ذلك بعد أن وضعت الولايات المتحدة يدها على الموارد النفطية في فنزويلا، التي كانت بدورها مصدراً رئيسياً للطاقة بالنسبة للصين. هذا التحول يجعل الصين في حاجة أشد إلى النفط والغاز الروسيين.
وفي تعليق على هذا التحول الاستراتيجي، قالت مجلة "أتلانتيك" الأمريكية إن الحرب الحالية على إيران حققت إنجازاً واحداً على الأقل، تمثل في تقويض مكانة المنافس الرئيسي لأميركا، وهو الصين، التي أثبتت أنها "حليف لا يُعوَّل عليه بالنسبة لإيران في لحظة الأزمة الراهنة".
خاتمة: حسابات معقدة في ساحة الصراع
يتضح من التحليلات المتضاربة أن الدعم الروسي والصيني لإيران، وإن كان معلناً عنه كشراكة استراتيجية، يظل محكوماً بمصالح كل طرف وحساباته الخاصة. ففي حين تسعى طهران للاستفادة القصوى من علاقاتها مع القوتين العظميين، تبدو موسكو وبكين أكثر حذراً، وتوازنان بين التزاماتهما الظاهرية والمكاسب الاستراتيجية والاقتصادية التي يمكن أن تجنيها كل منهما من استمرار أو تصعيد الصراع، مما يضع حدوداً واضحة لمدى التدخل الفعلي في الأزمات الحادة.
أخبار ذات صلة
- هانيتي ينتقد كارلسون: "لم يعد الشخص الذي عرفته في فوكس"
- إيران تستهدف حلفاء الولايات المتحدة وتضرب السفارة الأمريكية في الرياض
- المدن الأمريكية تكثف الإجراءات الأمنية وسط تصاعد التوترات مع إيران
- المدنيون يلقون حتفهم في حرب ترامب الجديدة: تفاصيل الخسائر البشرية في الشرق الأوسط
- نهاية حقبة: تحليل الإرث التحولي والمثير للجدل لآية الله علي خامنئي في إيران