القاهرة - وكالة أنباء إخباري
في قلب خيام النزوح المتلاصقة بمدينة خان يونس، جنوبي قطاع غزة، حيث تتكدس الحياة فوق شظايا الأمل، لم تعد السنوات تُقاس بالعمر البيولوجي للأطفال، بل بحجم الفقد الذي عايشوه، وعمق الصدمات التي ارتسمت في نفوسهم، وبالندوب النفسية التي تركتها أيام القصف العنيف والنزوح القسري في وجوه الصغار وملامحهم الشاحبة. إنها حكاية جيلٍ يُسرق منه الزمن، وتُحمل أكتافه الغضة ما لا تحتمله الجبال.
ريماس صيام: طفولةٌ سُلبت بين الخيام والمسؤوليات
في تقريرٍ ميدانيٍ أعدّه مراسلنا من خان يونس، تتكشف مأساة إنسانية عبر قصة الطفلة ريماس صيام، التي لم تتجاوز الثانية عشرة من عمرها. ريماس، التي كان من المفترض أن تكون في أوج براءتها وأحلامها المدرسية، تجد نفسها اليوم تحمل على كتفيها أعباء تفوق بكثير قدرة طفلة في مثل عمرها. فقدت ريماس شقيقتها رهف في غمرة هذا الصراع، كما أقعد المرض والدها في الفراش، لتتحول من طفلة تتلقى الرعاية إلى معيلٍ صغير، تقع على عاتقها مسؤولية رعايته ورعاية أختها الصغرى، في مشهد يختصر آلاف القصص المشابهة في القطاع المحاصر.
اقرأ أيضاً
- رئيس الوزراء يتابع جهود تحفيز الإنتاج المحلي وتعميق التصنيع الوطني وزيادة الصادرات
- الرئيس السيسى يستقبل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية
- معهد السلام الأمريكي يقاضي لمنع ترامب من وضع اسمه على مقره
- "عراب الذكاء الاصطناعي" يدق ناقوس الخطر: نماذج الذكاء الاصطناعي تهدد بتجاوز السيطرة البشرية
- طيار أمريكي يقفز بالمظلة من مقاتلة "إف-16" محطمة فوق كاليفورنيا
تتنقل كاميرا "وكالة أنباء إخباري" بين خيام ضيقة وممرات مكتظة بالنازحين، حيث تظهر ريماس بسترتهـا الحمراء الباهتة، ممسكة بوعاء بلاستيكي، تغسل الملابس يدوياً في ظل ظروفٍ بالغة الصعوبة. مشهدها هذا يتكرر يومياً، فهي تتنقل بين تعبئة المياه الشحيحة والوقوف لساعات طويلة في طوابير "التكية" للحصول على الطعام، في روتينٍ قاسٍ اختزل طفولتها وحوّلها إلى سلسلة من المسؤوليات الشاقة، حارمة إياها من أبسط حقوقها في اللعب والتعلم والأمان.
بصوتٍ يختلط فيه الحزن بالتعب العميق، تعبر ريماس عن فقدانها لطفولتها، وتتحدث بحسرة عن رؤيتها لأطفالٍ آخرين يمارسون ألعابهم البريئة، بينما تنشغل هي بالأعمال المنزلية ومساعدة أسرتها. تتوق ريماس إلى العودة طفلة كسائر أقرانها، بلا أعباء ثقيلة أو خوفٍ مستمر ينهش أحلامها، وهو حلم بسيط يبدو بعيد المنال في واقعها المرير.
الصمت والشرود: انعكاسات الصدمة النفسية على الأطفال
لم تعد ريماس كما كانت عليه قبل اندلاع الحرب. تحولت إلى طفلة تغرق في الصمت، وتتسم بكثرة الشرود الذهني، وسرعة الفزع من أي صوت مفاجئ. ملامحها الجامدة التي لا تخفي آثار التعب والمعاناة، وهي تعتني بوالدها المريض وتمشط شعر أختها الصغيرة، تعكس بوضوح حجم الصدمات المتراكمة التي باتت جزءاً لا يتجزأ من يومياتها. هذه التغيرات السلوكية العميقة ليست مجرد رد فعل عابر، بل هي مؤشرات دالة على اضطراب نفسي يتفاقم مع استمرار الأزمة.
تروي والدة ريماس بحسرةٍ وألمٍ كيف تبدلت ابنتها، مشيرةً إلى أنها كثيراً ما تمسك المرآة والمشط وتبدو وكأنها تتحدث إلى نفسها، في سلوكٍ يشي باضطرابٍ داخليٍ تفاقم بشكل ملحوظ مع مرض الأب وتدهور الأوضاع المعيشية وضغط النزوح القاسي. هذه الأعراض، وفقاً للمختصين، ليست فردية، بل هي سمةٌ غالبةٌ على الكثير من أطفال القطاع، الذين يعيشون تحت وطأة ضغوط نفسية غير مسبوقة.
جيلٌ كاملٌ يواجه الصدمات: الحاجة الماسة للدعم النفسي
حالة ريماس، وفقاً لما يؤكده مختصون نفسيون في القطاع، ليست استثناءً فريداً، بل هي صورة مصغرة لمعاناة جيل كامل. فالأطفال في غزة يواجهون مستويات مرتفعة وغير مسبوقة من التوتر والقلق، نتيجة لتوالي الصدمات في حربٍ مستمرة، تركت آثاراً نفسية عميقة وندوباً يصعب محوها في الأجل القريب. إنهم جيلٌ يُجبر على النمو بسرعة هائلة، متخذاً من الصمود عنواناً، ومن الصدمة رفيقاً.
وفي محاولة لتقديم بصيص من الأمل والدعم، يجلس أطفال في حلقات دائرية ضمن جلسات الدعم النفسي المنظمة من قبل عدد محدود من المنظمات. يمارس هؤلاء الأطفال تمارين التنفس والتفريغ الانفعالي، في محاولة يائسة لاستعادة قدرٍ من الاتزان النفسي وسط واقع مضطرب وفوضوي. وتسعى الطواقم المختصة بكل جهدها لاحتواء مخاوفهم وتخفيف حدتها، رغم محدودية الإمكانيات وضخامة التحديات.
توضح الطبيبة النفسانية نوال عسقول أن الأطفال في غزة قد فقدوا توازنهم الروحي والفكري والنفسي والجسدي، مؤكدةً أن حجم المعاناة يفوق أحياناً ما تعلمه المختصون أو مارسوه في ظل ظروفٍ طبيعية. ففي غزة، يتجدد الألم يومياً، وتتراكم الصدمات، مما يضع عبئاً هائلاً على كاهل القائمين على الدعم النفسي، ويستدعي تدخلاً دولياً واسع النطاق.
واقع النزوح والمدارس كمراكز إيواء: بيئة تفتقر للاستقرار
لا تقتصر المعاناة على خيام النزوح، بل تتعداها إلى المدارس التي تحولت قسراً إلى مراكز إيواء مكتظة، تتكدس فيها العائلات بأعداد تفوق طاقتها الاستيعابية بكثير. تضيق ساحات هذه المدارس بعشرات الأطفال الذين يتشاركون الخوف والقلق ذاتهما، في بيئة تفتقر لأبسط مقومات الاستقرار، كالمياه النظيفة والصرف الصحي اللائق، فضلاً عن غياب الخصوصية والمساحة اللازمة للنمو الطبيعي. هذا الواقع الكارثي لا يهدد صحتهم الجسدية فحسب، بل يفاقم من الأزمات النفسية التي يعيشونها، ويحرمهم من فرصة التعافي أو حتى عيش لحظة من الهدوء والسكينة. إن أطفال غزة يعيشون مأساةً متعددة الأبعاد، تتطلب استجابة إنسانية شاملة تتجاوز الإغاثة العاجلة لتشمل الدعم النفسي والاجتماعي المستدام، لإنقاذ ما تبقى من طفولتهم المسلوبة.