في ظل تصاعد التوترات الإقليمية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، ومع مرور 17 يومًا على بدء العمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والتي قابلتها طهران بهجمات مكثفة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، تتجه الأنظار نحو دول مجلس التعاون الخليجي وموقفها الحرج إزاء هذه التطورات المتسارعة. يبرز تساؤل جوهري حول كيفية محافظة هذه الدول على أمنها واستقرارها في خضم صراع يهدد بتداعيات واسعة النطاق.
مخاوف خليجية من توسع الصراع ونهج الحكمة
يشير خبراء ومحللون إلى وجود قلق حقيقي داخل دول الخليج من احتمال توسع رقعة الحرب وانتقالها إلى دول الجوار. يوضح أستاذ العلوم السياسية الكويتي، الدكتور إبراهيم دشتي، أن "الحكمة السياسية تدفع هذه الدول إلى البحث عن سبل لإنهاء الحرب بدلاً من توسيعها". هذه الرؤية تستند إلى تاريخ المنطقة الذي شهد حروبًا مدمرة، كالحرب العراقية الإيرانية وغزو العراق للكويت عام 1990، مما عزز لديها قناعة بأهمية تجنب الانخراط المباشر في الصراعات.
ويحذر دشتي من أن إسرائيل تسعى إلى جر دول الخليج لساحة الحرب، مؤكداً أن تل أبيب تعمل جاهدة لفتح جبهات جديدة وتوسيع نطاق الصراع. إلا أن إدراك دول الخليج العميق لهذه المخططات وحكمتها السياسية قد حال دون انزلاق المنطقة نحو مواجهة مباشرة حتى الآن. ويبرز الدور الكويتي في هذا السياق، حيث تمتلك الكويت خبرة واسعة في التعامل مع التحولات الإقليمية وإدارة الأزمات بحكمة، وتسعى دبلوماسيتها بنشاط لتشجيع الحوار والبحث عن حلول دبلوماسية لإنهاء الصراعات.
اقرأ أيضاً
- ترامب يمهد للعبث بنتائج انتخابات التجديد النصفي بمزاعم غير مؤكدة
- تصعيد خطير: أمريكا تواصل ضرباتها وإيران تستهدف قواعد أمريكية بالمنطقة
- إسرائيل تعلن عن خطط استيطانية جديدة في غزة وتمويل ضخم بالضفة الغربية
- حرائق الغابات تتفاقم عالمياً وتجبر رجال الإطفاء على خيارات صعبة
- فيلم هندي يكشف جرائم البنجاب يحظر بقرار حكومي
جاهزية دفاعية وسياسة ردع
من جانبه، يؤكد العميد البحري الركن المتقاعد السعودي، فواز كاسب العنزي، أن الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي تطلقها إيران على دول الخليج تمثل سلوكًا عدوانيًا يستهدف البنى التحتية والأهداف المدنية. ومع ذلك، يشدد العنزي على أن منظومات الدفاع الجوي في دول مجلس التعاون الخليجي قد أظهرت "مستوى عاليًا من الجاهزية والفعالية" في التصدي لهذه التهديدات، مما أسهم في إحباط عدد كبير من الهجمات والحد من آثارها المدمرة.
ويرى العنزي أن هذه الهجمات عززت ثقة دول الخليج بقدراتها الدفاعية الذاتية، في ظل ما تمتلكه من منظومات دفاع جوي متطورة ومنتشرة في المواقع الحيوية والعسكرية ومرافق البنية التحتية وأمن الطاقة. كما يشير إلى التفوق العملياتي الواضح الذي أظهرته العمليات العسكرية الأمريكية في مسرح العمليات الجوية والبحرية، والذي يمنح الولايات المتحدة ميزة عسكرية كبيرة في إدارة العمليات بالمنطقة. ويرجح العنزي إمكانية نجاح الولايات المتحدة في إسقاط النظام الإيراني مع تصاعد هجماتها العسكرية وقدرتها على بسط سيطرتها على مضيق هرمز، متوقعًا تحولات كبيرة في إيران.
ضبط النفس الاستراتيجي والتحالفات الإقليمية
على الرغم من امتلاك دول الخليج، ومنها المملكة العربية السعودية، إمكانيات الردع العسكري، إلا أنها تفضل في هذه المرحلة انتهاج سياسة حكيمة تقوم على ضبط النفس وعدم التصعيد المباشر. يؤكد العنزي أن دخول دول الخليج بشكل مباشر في الحرب "من شأنه أن يغير موازين القوى"، مشيرًا إلى أن السعودية تمتلك تحالفًا استراتيجيًا راسخًا مع الولايات المتحدة، وهو ما يشكل جزءًا لا يتجزأ من معادلة الأمن الإقليمي.
وتجدر الإشارة إلى أن دول الخليج، بما فيها السعودية، ليست أطرافًا مباشرة في الحرب الحالية، على الرغم من تعرضها لهجمات متكررة. وقد لاقى القرار رقم 2817 الذي اعتمده مجلس الأمن الدولي مؤخرًا، والذي يدين الهجمات الإيرانية على دول الخليج، ترحيبًا واسعًا، كونه يؤكد على ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها.
أخبار ذات صلة
تداعيات طويلة الأمد وضرورة الحوار
يختتم الدكتور دشتي تحليله بالتأكيد على أن الحرب الحالية تتجاوز أبعادها العسكرية إلى أبعاد سياسية واجتماعية عميقة، متوقعًا أن تترك آثارًا طويلة الأمد في المنطقة وتمتد تداعياتها لسنوات مقبلة. ويشدد على أهمية استخلاص الدروس من هذه الصراعات واللجوء إلى الحوار والدبلوماسية كخيار أمثل لتجنب المزيد من التصعيد، مؤكدًا أن أمن المنطقة مسؤولية مشتركة تقع على عاتق دولها قبل أي طرف خارجي.
يستمر الصراع في المنطقة، حيث تشن الولايات المتحدة وإسرائيل حربًا على إيران منذ 28 فبراير الماضي، مما أدى إلى مقتل المئات وتدمير مواقع عسكرية وقدرات صاروخية إيرانية، بما في ذلك المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين. في المقابل، تواصل إيران هجماتها ضد إسرائيل، وتستهدف مواقع في دول الخليج والأردن، مما يخلف قتلى وجرحى وأضرارًا في منشآت مدنية، مما يجعل مسار الأمن الإقليمي في مفترق طرق حرج يتطلب أقصى درجات الحنكة السياسية والدبلوماسية.