إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
--° القاهرة

سيناريو المواجهة الأمريكية الإيرانية: زلزال اقتصادي يرتجف له العالم

استمع للخبر Saudi 365 2026-02-14 14:29 4
سيناريو المواجهة الأمريكية الإيرانية: زلزال اقتصادي يرتجف له العالم

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

في عالمٍ تتشابك فيه خيوط السياسة بالاقتصاد، لا تقتصر حركة الأسواق على الاستجابة للأحداث الواقعية فحسب، بل كثيراً ما تتأثر وتضطرب بفعل التوقعات والسيناريوهات المحتملة. ومن بين هذه السيناريوهات، يبرز احتمال اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران كأحد أكثرها حساسية وتأثيراً على الاقتصاد العالمي برمته. هذا السيناريو، حتى وإن ظل في إطار الافتراض، يحمل في طياته تداعيات واسعة قد تتجاوز حدود البلدين، لتطال أسواق الطاقة والعملات والمعادن الثمينة، بل وتمتد لتزعزع الاستقرار الاقتصادي في الشرق الأوسط والعالم.

وفي تحليل عميق، يرى الدكتور محمد الجوهري، الخبير الاقتصادي ورئيس مركز أكسفورد للدراسات الاقتصادية، أن طبيعة هذه المواجهة، إن وقعت، قد لا تكون حرباً تقليدية شاملة في بدايتها. يشير الجوهري إلى أنها قد تتخذ شكل ضربات جوية دقيقة تستهدف منشآت نووية، عسكرية، أو مراكز قيادة. وفي المقابل، يرجح أن يكون رد الفعل الإيراني غير تقليدي وغير مباشر، يتمثل في ممارسة الضغط على الملاحة في مضيق هرمز الحيوي، أو تفعيل أدوات إقليمية عبر حلفائها، أو شن هجمات سيبرانية، أو استهداف منشآت طاقة حساسة في المنطقة. وخلص الجوهري إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو حرب محدودة عسكرياً، لكنها واسعة النطاق في تداعياتها الاقتصادية.

النفط: أول المتأثرين ومفتاح الأزمة

يؤكد الدكتور الجوهري أن أسعار النفط ستكون أول وأسرع المتغيرات التي ستستجيب لأي توتر عسكري كبير. فمجرد الإعلان عن تصعيد عسكري محتمل قد يدفع الأسعار للارتفاع الحاد، حتى قبل إطلاق أي رصاصة. ويعزو الخبير الاقتصادي ذلك إلى حقيقة أن منطقة الخليج تنتج ما يقرب من ثلث النفط العالمي، وأي تهديد لمضيق هرمز، الممر المائي الاستراتيجي، يعني تهديداً مباشراً لإمدادات الطاقة العالمية بأكملها. وفي سيناريو تصعيد متوسط، يتوقع الجوهري أن تقفز أسعار النفط بنسبة تتراوح بين 20 إلى 40 بالمئة خلال أيام معدودة. أما في حال حدوث إغلاق فعلي أو تعطيل للملاحة في المضيق، فقد نشهد مستويات سعرية استثنائية تتجاوز كل التوقعات، مما يلقي بظلال قاتمة على الاقتصاد العالمي.

الذهب: الملاذ الآمن في زمن الاضطراب

تقليدياً، يُعد الذهب مخزن القلق العالمي، ومع أي تصعيد جيوسياسي كبير، تتجه رؤوس الأموال إليه باعتباره الملاذ الآمن. يشير رئيس مركز أكسفورد للدراسات الاقتصادية إلى أن الذهب في هذا السيناريو سيشهد موجات صعود قوية مدفوعة بعاملين رئيسيين: الأول هو الخوف المتزايد من عدم الاستقرار الجيوسياسي والاقتصادي، والثاني هو تراجع الثقة في الأصول عالية المخاطر مثل الأسهم والسندات. ومن المرجح ألا يكون هذا الارتفاع مؤقتاً، بل قد يمتد طالما استمر التوتر والغموض في المشهد الإقليمي والدولي.

الدولار: قوة قصيرة الأمد وضغوط محتملة

يضيف الدكتور الجوهري أن الدولار الأمريكي غالباً ما يستفيد في البداية من الأزمات الكبرى، بصفته عملة الاحتياط العالمية، مما يزيد الطلب عليه كملاذ آمن. لكن هذه الصورة ليست أحادية الجانب؛ فإذا طال أمد الصراع، أو ارتفعت تكلفته على الاقتصاد الأمريكي بشكل كبير، فقد يتحول الأثر من إيجابي إلى ضاغط على الدولار. ويصبح هذا الاحتمال أقوى إذا تزامن الصراع مع عجز مالي متزايد أو ارتفاع حاد في أسعار الطاقة داخل الولايات المتحدة نفسها. وهكذا، فإن قوة الدولار في هذا السيناريو غالباً ما تكون محصورة في المدى القصير، بينما يظل اتجاهه على المدى المتوسط مرتبطاً بمدة وشدة الصراع وتكاليفه الاقتصادية.

اقتصادات الخليج: مكاسب ومخاطر متوازنة

يلفت الجوهري إلى أن اقتصادات دول الخليج تقف في موقع مزدوج ومعقد. فمن ناحية، يعني ارتفاع أسعار النفط زيادة كبيرة في الإيرادات الحكومية وتحسناً ملحوظاً في الفوائض المالية، مما يعزز من قدرتها على تحمل الصدمات. ومن ناحية أخرى، فإن أي تهديد أمني مباشر، أو استهداف للبنية التحتية للطاقة أو الموانئ الحيوية، قد يؤدي إلى ارتفاع هائل في تكاليف التأمين والشحن. هذا بدوره سيؤثر سلباً على تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة وقطاع السياحة، مما يجعل المكاسب المالية المحتملة في خطر التوازن مع مخاطر جيوسياسية مرتفعة قد تلتهم جزءاً كبيراً منها.

الدول غير النفطية: العبء الأكبر والآثار المضاعفة

أما الدول غير النفطية في المنطقة، فستكون الأكثر تأثراً سلبياً بهذا السيناريو. يوضح الجوهري أن ارتفاع أسعار الطاقة سيعني زيادة فادحة في تكاليف الاستيراد، ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم بشكل غير مسبوق، ويضغط بقوة على العملات المحلية والميزانيات الحكومية المثقلة بالأساس. كما أن حالة عدم اليقين السائدة ستؤجل أية استثمارات جديدة، وتؤثر بشكل مدمر على قطاعات حيوية مثل السياحة والخدمات اللوجستية التي تعتمد على الاستقرار الإقليمي.

تداعيات عالمية تتجاوز الحدود الإقليمية

يختتم الخبير الاقتصادي حديثه مؤكداً أن تأثير هذا السيناريو لن يتوقف عند حدود المنطقة الجغرافية. فارتفاع أسعار النفط عالمياً سيعني ارتفاعاً في تكاليف النقل والتصنيع على نطاق كوكبي، مما قد يعيد موجات تضخمية حتى في الاقتصادات الكبرى التي تسعى جاهدة لاحتوائها. كما أن سلاسل الإمداد العالمية، التي لم تتعاف بالكامل بعد من أزمات سابقة، ستواجه اضطرابات جديدة، خاصة في الشحن البحري وتكاليف التأمين. في النهاية، يؤكد الدكتور الجوهري أن سيناريو المواجهة الأمريكية الإيرانية، حتى لو ظل في إطار الافتراض، يمثل نموذجاً واضحاً لكيف يمكن للسياسة أن تعيد تشكيل الاقتصاد في أيام قليلة. فالنفط يقفز، والذهب يلمع، والدولار يتأرجح، والخليج يربح ويخاطر في الوقت ذاته، بينما تتحمل الاقتصادات الأضعف العبء الأكبر؛ مما يبرهن أن الاستقرار الجيوسياسي ليس مجرد قضية سياسية، بل هو ركيزة أساسية من ركائز الاستقرار الاقتصادي العالمي.

# اقتصاد عالمي # أسعار النفط # الذهب # الدولار # مضيق هرمز # الصراع الأمريكي الإيراني # تداعيات اقتصادية # أمن إقليمي # تضخم # استثمارات
اقرأ هذا الخبر