الثلاثاء، ١١ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ / 22 سبتمبر 2026 م 07:09 ص بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

عضيات الحبل الشوكي البشرية: ثورة في فهم وعلاج إصابات العمود الفقري

نماذج حية ثلاثية الأبعاد تفتح آفاقاً جديدة لاختبار العلاجات
استمع للخبر علوم عبد الفتاح يوسف 2026-02-17 08:09 25
عضيات الحبل الشوكي البشرية: ثورة في فهم وعلاج إصابات العمود الفقري

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

ثورة علمية في فهم إصابات الحبل الشوكي: العضيات البشرية تتصدر المشهد

في خطوة علمية فارقة، نشرت مجلة "Nature Biochemical Engineering" دراسة تكشف عن تطوير عضيات للحبل الشوكي البشري، تمثل نماذج متقدمة قادرة على محاكاة الاستجابة البيولوجية الدقيقة لإصابات العمود الفقري. هذه العضيات، وهي عبارة عن نسخ مصغرة من الأعضاء تنشأ من خلايا جذعية بشرية، لم تقتصر على كونها إنجازاً مهماً في حد ذاتها، بل أضفت بعداً عملياً جديداً على أبحاث الحبل الشوكي من خلال تمكين اختبار العلاجات الواعدة.

يعتبر العلماء في جامعة نورث وسترن، الذين قادوا هذا البحث، أن الأعصاب التي طوروها هي "أكثر النماذج تقدماً حتى الآن". فالأمر لا يقتصر على مجرد نماذج شكلية، بل إن هذه العضيات تعكس بدقة التغيرات البيولوجية المعقدة التي تحدث بعد الإصابة، بما في ذلك موت الخلايا، والاستجابات الالتهابية، وتكوّن النسيج الندبي المعروف باسم "التندب الدبقي". هذا التندب يمثل حاجزاً فيزيائياً وكيميائياً يعيق بشدة عملية التجدد الطبيعي للأعصاب، وهي عملية تفتقر إليها القدرات البشرية بطبيعتها.

الحبل الشوكي: تعقيد التحدي وغياب آلية التجدد الطبيعي

يُعد الحبل الشوكي واحداً من أعقد مكونات الجهاز العصبي البشري، ويفتقر الإنسان، على عكس بعض السحالي والبرمائيات، إلى آلية طبيعية فعالة لتجديده عند تعرضه للإصابة. ورغم وجود تقنيات حديثة تسمح باستعادة جزئية للحركة من خلال تجاوز مسارات الضرر، إلا أن هذه المقاربات لا ترقى لتكون علاجاً جذرياً شافياً. وهنا تبرز الأهمية القصوى للعضيات المطورة، حيث توفر منصة فريدة لاختبار العلاجات على نسيج بشري حقيقي، وهو ما يوفر سرعة ودقة أكبر، فضلاً عن تجاوز التعقيدات الأخلاقية المرتبطة بالنماذج الحيوانية.

تمثل هذه العضيات بديلاً أكثر دقة لتمثيل الحبل الشوكي البشري مقارنة بالقوارض، نظراً للفجوة التطورية الهائلة التي تفصل بين البشر وهذه الحيوانات. يزداد الطلب على علاج فعال لإصابات الحبل الشوكي بشكل كبير، حيث تشير التقديرات إلى أن ما بين 250 ألفاً و500 ألف شخص يتعرضون سنوياً لإصابات جديدة في الحبل الشوكي على مستوى العالم، مما يجعل الحاجة ملحة لإيجاد حلول مبتكرة.

"الجزيئات الراقصة": أمل جديد في استعادة الوظائف الحيوية

من بين المقاربات العلاجية الواعدة، يبرز علاج "الجزيئات الراقصة"، وهو عبارة عن هلام مبتكر مصنوع من ألياف نانوية (Nanofibers). عند حقن هذه الجزيئات في موقع الإصابة، فإنها تشكل دعامة هلامية تعمل على إرسال إشارات حيوية تحفز الخلايا على التعافي، ومن ثم تتحلل تدريجياً إلى مغذيات تمتصها الخلايا. وقد أثبت الباحثون سابقاً أن حقنة واحدة من هذا العلاج، تم إعطاؤها للفئران بعد 24 ساعة من إصابة الحبل الشوكي، أدت إلى تعافٍ سريع من الشلل.

في التجربة الجديدة، نجح الفريق في إحداث نوعين مختلفين من الإصابات في عضيات الحبل الشوكي، تحاكي إحداهما إصابة بليغة كالطعن بسكين، والأخرى إصابة ناجمة عن حادث سيارة. وبعد إدخال "الجزيئات الراقصة"، لوحظ اختفاء ملحوظ للتندب الدبقي، ونمو الزوائد العصبية بأنماط منظمة، مما يشبه إلى حد كبير عملية تجدد المحاور العصبية التي تمت ملاحظتها سابقاً في الحيوانات.

نماذج أكثر واقعية وتوسع آفاق البحث

صرح صموئيل ستوب، أستاذ بجامعة نورث وسترن ومطور العلاج، بأن هذه العضيات توفر "لا يوجد وسيلة أخرى لاختبار العلاجات على نسيج بشري بهذا الشكل"، باستثناء التجارب السريرية نفسها. وأكد أن النتائج المحققة تعزز بشكل كبير فرص نجاح هذا العلاج الواعد لدى البشر. تتميز عضيات نورث وسترن بأنها أكبر حجماً وأكثر دقة من النماذج السابقة، حيث يصل عرضها إلى حوالي 3 مليمترات بعد أربعة أشهر من النمو. والأهم من ذلك، أنها الأولى التي تتضمن خلايا مناعية متخصصة في الجهاز العصبي المركزي تُعرف بالخلايا الدبقية الصغيرة (microglia)، والتي تلعب دوراً حيوياً في عمليات الالتهاب وتكوين النسيج الندبي، مما يمنح النموذج واقعية غير مسبوقة.

يعكف الفريق البحثي حالياً على تطوير عضيات أكثر تعقيداً، من خلال دمج أوعية دموية، بالإضافة إلى العمل على محاكاة إصابات مزمنة أو قديمة، وهو ما قد يمثل أملاً جديداً للأشخاص الذين يعانون من آثار إصابات الحبل الشوكي منذ فترة طويلة، وليس فقط لأولئك الذين يتلقون العلاج مباشرة بعد الإصابة. ولا تقتصر طموحات الباحثين على الحبل الشوكي فقط، بل يرون إمكانية استخدام نماذج مماثلة لدراسة إصابات الدماغ الرضحية (TBI) أيضاً، مما يفتح آفاقاً أوسع لهذا التقدم العلمي في مجالات متعددة من طب الأعصاب.

# عضيات الحبل الشوكي، إصابات العمود الفقري، تجديد الأعصاب، علاج الحبل الشوكي، جامعة نورث وسترن، الجزيئات الراقصة، الألياف النانوية، الخلايا الجذعية، التندب الدبقي، طب الأعصاب
اقرأ هذا الخبر