في الرابع من مارس/آذار، بينما كانت الفرقاطة العسكرية الإيرانية "أيريس دينا" في طريق عودتها من مناورات "ميلان 2026" البحرية قبالة سواحل سريلانكا، تعرضت لضربة قاصمة من غواصة أمريكية. الحادثة المروعة أدت إلى غرق الفرقاطة بسرعة، حاملة معها طاقمها المكون من نحو 150 ضابطاً وبحاراً وفنياً.
فور وقوع الكارثة، أطلقت سريلانكا نداء استغاثة دولياً، وسارعت الهند، التي استضافت المناورات، إلى إرسال طائرات دوريات بحرية وسفينة إنقاذ. أسفرت جهود الإنقاذ عن إنقاذ 32 شخصاً وانتشال 87 جثة، بينما ظل البقية في عداد المفقودين. وبحلول الثامن من مارس/آذار، أعلن الجيش الإيراني ارتفاع حصيلة القتلى إلى 104 أشخاص.
صمت "بريكس" ومحدودية التضامن
توقفت جهود الهند عند هذا الحد، رغم علاقاتها التاريخية القوية مع إيران، التي رحبت بانضمامها إلى تكتل بريكس (BRICS) قبل عامين. هذا الانضمام كان يُنظر إليه كخطوة مهمة نحو توسيع الكتلة التي تُعلق عليها آمال كبيرة في صعود "الجنوب العالمي" لمواجهة هيمنة القوى الغربية التقليدية. وقد شهدت الكتلة توسعاً شمل مصر وإثيوبيا والإمارات العربية المتحدة وإيران، إلى جانب الأعضاء المؤسسين: البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا.
اقرأ أيضاً
أمام البرلمان الهندي، اكتفى وزير الخارجية سوبرامانيام جايشانكار بوصف حادثة غرق "دينا" بأنها "مؤسفة"، دون أي إشارة إلى سبب الغرق. هذا الصمت الهندي، إلى جانب صمت غالبية دول بريكس الأخرى، باستثناء الصين وروسيا والبرازيل التي أدانت الهجوم الأمريكي الإسرائيلي في يومه الأول، أثار تساؤلات جدية حول جدوى وفعالية أشكال التضامن الجنوبي التي تبلورت طيلة العقدين الماضيين.
لقد لاذت بقية دول بريكس إما بالصمت التام أو بالبيانات الدبلوماسية العامة التي تحدثت عن الاستقرار والتهدئة، وذلك على الرغم من التصعيد العسكري الواضح من واشنطن. هذا الموقف كشف عن هشاشة فكرة التضامن الجنوبي، التي لم تكتسب حتى الآن فاعلية كافية لردع لجوء القوى الكبرى لأساليب الهيمنة، أو لإعادة تشكيل موازين القوى لصالحها.
تاريخ من التطلعات والتحديات
ليست هذه المرة الأولى التي يكتشف فيها الجنوب العالمي أن تطلعاته بحاجة إلى المزيد من الجهد والموارد لتتجاوز الخطابات والمؤتمرات والتبادل التجاري. فقبل حوالي 70 عاماً، وفي مدينة باندونغ الإندونيسية عام 1955، تجمعت الدول الأفريقية والآسيوية المستقلة حديثاً لتشكيل كتلة مستقلة توازن القوتين العظميين آنذاك، الغربية والشرقية. كانت تلك الأحلام "الطوباوية" مبنية على رغبة في امتلاك صوت مستقل في عالم الحرب الباردة، بعيداً عن الانحياز.
من رحم مؤتمر باندونغ، نشأت حركة عدم الانحياز في بلغراد عام 1961، ثم مجموعة الـ 77 في الأمم المتحدة بعد ثلاث سنوات. بدأت فكرة "الجنوب العالمي" تتشكل، ليس بالضرورة ككتلة متماسكة، بل كرغبة في إحداث قدر من التوازن والسعي نحو نظام دولي أكثر عدلاً. كان التحدي آنذاك يدور حول إنهاء الاستعمار، وتغيير قواعد التجارة غير المتكافئة، ورفض منطق الهيمنة.
لكن فكرة عدم الانحياز تلقت ضربات أدت إلى انحسارها مع الوقت. أبرزها الضربة العسكرية التي وجهتها الصين للهند عام 1962، بعد أن كان ينظر للبلدين كنموذج للتضامن الآسيوي. ثم الهزيمة العربية عام 1967 أمام إسرائيل بدعم أمريكي، مما دفع بعض القوى العربية للتحالف مع الاتحاد السوفيتي لتعديل موازين القوى. هذه الأحداث كشفت أن التضامن الجنوبي كان لا يزال هزيلاً أمام المصالح الوطنية والضغوط الخارجية.
تطلعات ما بعد الحرب الباردة والتحديات الراهنة
بعد نهاية الحرب الباردة، زاد الحديث عن العالم الثالث النامي، الذي كان يُتوقع منه بناء قواعد قوته وفق نموذج التنمية الرأسمالي. حققت الصين نجاحاً هائلاً لتصبح قطباً دولياً، بينما حققت الهند وجيرانها الآسيويون نجاحات متباينة، وظلت أفريقيا تعاني في معظمها.
بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، وصعود الحركات الاحتجاجية، وانتخاب دونالد ترامب بسياساته التجارية والعسكرية الخشنة، عاد الحديث بقوة عن ضرورة إحياء التضامن الجنوبي. فقد باتت دول الجنوب تمتلك حصصاً معتبرة من التجارة العالمية والاحتياطيات النقدية والتكنولوجيا ومصادر الطاقة، فضلاً عن كونها سوقاً ضخماً يضم مليارات البشر.
ومع ذلك، فإن السؤال الذي لازم رواد باندونغ لا يزال مطروحاً اليوم: إلى أي مدى يمكن لهذا الجنوب، بكل تنوعه واختلافاته، أن يغير فعلاً موازين القوة بعيداً عن الدعوة إلى عقد المؤتمرات وإصدار البيانات؟ وهل يمكن أن تكون له كلمته المسموعة في لحظات الأزمات الكبرى التي تختبر فيها حقيقة النفوذ؟ حادثة الفرقاطة الإيرانية، وما تلاها من صمت، تؤكد أن الطريق لا يزال طويلاً لتحقيق تطلعات "الجنوب العالمي" في نظام دولي أكثر عدلاً وتوازناً.
أخبار ذات صلة
- ترامب يهاجم البابا لاون الرابع عشر بشدة: "متساهل مع الجريمة وكارثي للسياسة الخارجية"
- فيكتور أوربان يقر بالهزيمة في الانتخابات المجرية بعد 16 عامًا: نهاية حقبة سياسية
- احتفالات صاخبة في بودابست: المجريون يحتفون بنهاية حقبة أوربان وفوز ماغيار
- تحليل: تهديد ترامب بحصار إيران يكشف هشاشة تايوان أمام تهديدات الصين
- البابا لاون الرابع عشر يرد على ترامب: "مواصلة رسالة الكنيسة رغم الانتقادات"