الأحد، ٤ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ / 16 أغسطس 2026 م 06:54 م بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

كاشف سر الكواكب: غبار الكويكبات يكشف عن تاريخ مغناطيسي ونشأة النظام الشمسي

دراسة يابانية رائدة تحلل عينات ريوغو وتكشف عن حقول مغناطيسية
استمع للخبر تقنيات عبد الفتاح يوسف 2026-03-07 16:17 30
كاشف سر الكواكب: غبار الكويكبات يكشف عن تاريخ مغناطيسي ونشأة النظام الشمسي

المملكة العربية السعودية - وكالة أنباء إخباري

كاشف سر الكواكب: غبار الكويكبات يكشف عن تاريخ مغناطيسي ونشأة النظام الشمسي

لطالما اعتبرت الكويكبات بمثابة كبسولات زمنية، تحمل في طياتها أدلة لا تقدر بثمن عن الفجر الأول لنظامنا الشمسي. فخلافًا للكواكب التي خضعت لتغييرات جيولوجية مكثفة، احتفظت هذه الأجسام البدائية بخصائصها الأصلية، مما يجعلها مفتاحًا لفهم العمليات التي شكلت عالمنا. في هذا السياق، قدمت العينات التي جمعتها المركبة الفضائية اليابانية هايابوسا-2 من الكويكب ريوغو، والتي عادت إلى الأرض قبل بضع سنوات، فرصة فريدة للعلماء لفك رموز تلك الأسرار الكونية.

مع ذلك، لم تكن رحلة الاكتشاف هذه خالية من التحديات. فبعد عودة العينات، واجه الباحثون تناقضات محيرة عند تحليل الخصائص المغناطيسية لهذه الشظايا الصخرية. تباينت النتائج بين مجموعات بحثية مختلفة؛ فبعضها أشار إلى وجود "ذاكرة مغناطيسية" مستقرة تعود إلى النظام الشمسي المبكر، بينما رأى آخرون أن الكويكب تشكل في "منطقة ميتة" خالية من الحقول المغناطيسية، واقترح فريق ثالث أن أي إشارات مغناطيسية مكتشفة كانت مجرد تلوث عرضي من حقول الأرض المغناطيسية. هذا التناقض أثار الحاجة إلى دراسة أكثر شمولاً وحسمًا.

لمعالجة هذه المشكلة، قام فريق من جامعة طوكيو بقيادة الدكتور ماساهيكو ساتو وزملائه بنشر ورقة بحثية رائدة في مجلة JGR Planets. كان جوهر نهجهم هو زيادة حجم العينات المدروسة بشكل كبير. فبينما اعتمدت الدراسات السابقة على تحليل سبع عينات فقط، قام فريق ساتو بفحص 28 عينة، أي أربعة أضعاف العدد السابق. هذا التوسع في نطاق الدراسة كان حاسمًا لتعزيز الدقة الإحصائية والتغلب على قيود حجم العينات الصغيرة التي أدت إلى النتائج المتضاربة.

تكمن أهمية هذه الدراسة في قدرتها على كشف الحقول المغناطيسية السائدة في النظام الشمسي المبكر. هذه الحقول لم تكن مجرد ظواهر ثانوية؛ بل كانت القوة المحركة التي جمعت الغاز والغبار معًا لتشكيل الكواكب في نهاية المطاف. وبالتالي، فإن تحديد قوة هذه الحقول المغناطيسية أو ضعفها يوفر مدخلات حيوية لنظريات تشكيل الكواكب. على عكس النيازك التي تصل إلى الأرض بشكل طبيعي وتتأثر بشكل كبير بالحقل المغناطيسي للأرض، تم عزل عينات ريوغو وحمايتها بعناية فائقة لمنع أي تلوث مغناطيسي، مما يضمن نقاء البيانات المستخلصة.

للكشف عن "الذاكرة المغناطيسية" المحفوظة في الصخور، اتبع العلماء عملية دقيقة. فعندما تتشكل المعادن المغناطيسية أو تبرد داخل حقل مغناطيسي، تتجه هياكلها المجهرية الداخلية، المعروفة باسم النطاقات، في اتجاه الحقل. بمجرد أن تتصلب الصخرة، يتم "قفل" هذه الاتجاهات، مما يسمح للعلماء بتحديد اتجاه وقوة الحقل المغناطيسي القديم. قبل التحليل، تم تنظيف العينات بعناية من أي تلوث مغناطيسي حديث باستخدام عملية تسمى "إزالة المغنطة التدريجية للحقل المتناوب" (Stepwise Alternating Field Demagnetization).

بعد هذه العملية الدقيقة، كشفت العينات الـ 28 عن قصة واضحة ومثيرة. أظهرت ثلاث وعشرون منها ذاكرة مغناطيسية مستقرة، بينما لم تظهر خمس عينات ذلك. تراوحت قوة الحقل في العينات التي احتفظت بالذاكرة بين 16.3 ميكروتسلا (uT) و 174 ميكروتسلا، وهو نطاق واسع بالنظر إلى أن الحقل المغناطيسي للأرض يبلغ حوالي 50 ميكروتسلا. والأكثر إثارة للدهشة هو أن بعض هذه العينات أظهرت ذكريات مغناطيسية تشير إلى اتجاهات متعددة داخل نفس العينة.

هذه النقطة الأخيرة كانت حاسمة في دحض نظرية التلوث الأرضي. فبما أن الحقل المغناطيسي للأرض يشير دائمًا في اتجاه واحد، فإن وجود اتجاهات مغناطيسية متعددة ضمن عينة واحدة يؤكد أن هذه الذكريات تشكلت قبل أن تتجمع هذه الجزيئات لتشكل الكويكب ريوغو. تشير هذه الظاهرة بقوة إلى أن العينات قد تم تمغنطها قبل أن تتجمع وتتصلب، ربما في بيئة محاطة بالماء السائل. فالمادة المسؤولة عن هذه الذكريات المغناطيسية، المعروفة باسم الماغنيتايت الفرنبولي (framboidal magnetite)، تتشكل عندما يتفاعل الماء السائل مع الصخور في عملية تسمى التغيير المائي (aqueous alteration).

بناءً على هذه الاكتشافات، يستنتج المؤلفون أن هذه العملية حدثت في قلب ريوغو بين 3.1 و 6.8 مليون سنة بعد تشكل أول المواد الصلبة في النظام الشمسي. هذا يعني أن ريوغو ليس مجرد صخرة عادية، بل هو سجل حي للظروف المبكرة للغاية لنظامنا الشمسي. إن فهمنا المحسن للبيئة المغناطيسية في تلك الأوقات المبكرة سيمكن العلماء من تحديث نماذج تشكيل الكواكب بمعلومات جديدة، مما يقربنا خطوة أخرى من فهم كيف نشأت الكواكب، بما في ذلك كوكبنا.

من كان يظن أن حفنة من الغبار من كومة حطام تطفو في الفضاء يمكن أن يكون لها هذا التأثير العميق على فهمنا الأوسع للكون؟ إنها شهادة على أن أعظم الأسرار غالبًا ما تكون مخبأة في أصغر الأشياء، تنتظر من يكتشفها ويفك رموزها.

# ريوغو، كويكب، النظام الشمسي المبكر، حقول مغناطيسية، هايابوسا-2، ماغنيتايت فرنبولي، مياه سائلة، تشكيل الكواكب، علوم الفضاء، جامعة طوكيو
اقرأ هذا الخبر