السبت، ١٠ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ / 22 أغسطس 2026 م 08:23 م بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

كيف انتشلت سردينيا نسور "غريفون" من حافة الانقراض: قصة نجاح بيئي ملهمة

جهود حثيثة ومتكاملة أعادت الحياة لأحد أبرز طيور الجوارح في س
استمع للخبر الشرق الأوسط عبد الفتاح يوسف 2026-02-17 00:14 16
كيف انتشلت سردينيا نسور "غريفون" من حافة الانقراض: قصة نجاح بيئي ملهمة

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

في قلب البحر الأبيض المتوسط، تروي جزيرة سردينيا الإيطالية قصة ملهمة عن المثابرة والنجاح في مواجهة شبح الانقراض الذي هدد أحد أبرز وأجمل طيورها الجارحة، نسر "غريفون" الأوراسي (Gyps fulvus). فبعد أن كانت أعداد هذه النسور المهيبة قد تراجعت إلى مستويات حرجة في عام 2014، حيث لم يتبقَّ في سماء الجزيرة سوى ما يقرب من ستين طائرًا، استنهضت سردينيا هممها وأطلقت مشروعًا بيئيًا طموحًا أعاد لهذه الكائنات رونقها ومكانتها البيئية، ليصبح مثالًا يحتذى به في جهود الحفاظ على التنوع البيولوجي العالمي.

تدهور كارثي: شبح الانقراض يحدق بنسور "غريفون"

لم يكن التدهور الذي شهدته أعداد نسور "غريفون" في سردينيا مفاجئًا، بل كان نتيجة لتراكم عقود من التحديات البيئية والبشرية. هذه الطيور، المعروفة بدورها الحيوي كـ"منظفات طبيعية" للنظام البيئي، تعتمد بشكل أساسي على الجيف كمصدر لغذائها. ومع التغيرات في الممارسات الزراعية والرعوية، وتشديد القوانين المتعلقة بالتخلص من الحيوانات النافقة لأسباب صحية، تضاءلت مصادر الغذاء الطبيعية لهذه النسور بشكل كبير. أضف إلى ذلك، مخاطر التسمم العرضي أو المتعمد، والصيد غير المشروع، وتدمير الموائل الطبيعية ومناطق التعشيش، كلها عوامل ساهمت في دفع أعدادها نحو الهاوية. بحلول عام 2014، كانت سلالة "غريفون" في سردينيا على وشك الاختفاء تمامًا، لتتحول من كائن حيوي في السلسلة الغذائية إلى رمز للتدهور البيئي الذي يهدد العديد من الأنواع حول العالم.

استراتيجية إنقاذ شاملة: من حافة الهاوية إلى التعافي

لم تقف سردينيا مكتوفة الأيدي أمام هذا التهديد الوجودي. فبمجرد أن دقت أجراس الإنذار، تم إطلاق سلسلة من المبادرات والبرامج الطموحة، بالتعاون بين السلطات المحلية، والمنظمات البيئية غير الحكومية، والباحثين، والمجتمعات المحلية. تمحورت هذه الاستراتيجية حول عدة محاور رئيسية ومتكاملة:

1. توفير مصادر الغذاء المستدامة: مدافن صحية للنسور

أحد أهم الركائز في خطة الإنقاذ كان إنشاء وتفعيل "مدافن صحية للغذاء" (vulture restaurants) في مناطق استراتيجية. هذه المواقع المخصصة توفر جيف الماشية والدواب بشكل منتظم وآمن، مما يضمن حصول النسور على مصدر غذاء ثابت وخالٍ من السموم. وقد ساعد هذا الإجراء في التخفيف من ضغوط البحث عن الغذاء وتقليل مخاطر التسمم.

2. برامج إعادة التوطين وتعزيز التنوع الجيني

لم تكتفِ الجهود بحماية الأفراد المتبقية، بل تجاوزتها إلى جلب نسور "غريفون" من مناطق أخرى، مثل إسبانيا والبر الرئيسي لإيطاليا، لإعادة توطينها في سردينيا. هذه البرامج لم تهدف فقط إلى زيادة الأعداد، بل أيضًا إلى تعزيز التنوع الجيني للمجموعة المحلية، مما يجعلها أكثر مقاومة للأمراض والتغيرات البيئية. تم إطلاق عشرات النسور الشابة والمبالغ فيها بعد تأهيلها ومراقبتها بعناية.

3. المراقبة العلمية والحماية المباشرة

تضمنت الخطة جهودًا مكثفة للمراقبة العلمية، حيث تم تزويد العديد من النسور بأجهزة تعقب عبر الأقمار الصناعية لدراسة أنماط حركتها، ومناطق تعشيشها، ومصادر غذائها. هذه البيانات القيمة وفرت فهمًا عميقًا لسلوكيات الطيور وساعدت في تحديد المناطق الأكثر أهمية للحماية. كما تم تنفيذ حملات توعية مكثفة لمكافحة الصيد غير المشروع والتسمم، بالتعاون مع قوات إنفاذ القانون.

4. إشراك المجتمعات المحلية والرعاة

إدراكًا لأهمية دور الإنسان في نجاح أي مبادرة بيئية، ركزت البرامج على إشراك المجتمعات المحلية، وخاصة الرعاة والمزارعين. تم تنظيم ورش عمل وحملات توعية لشرح أهمية نسور "غريفون" للنظام البيئي، وكيفية التعايش معها، وتقديم الدعم للرعاة لتغيير بعض ممارساتهم بما يتوافق مع حماية هذه الطيور، مثل التخلص الآمن من جيف حيواناتهم.

ثمار الجهود: عودة الحياة إلى سماء سردينيا

بفضل هذه الجهود المنسقة والمستمرة، بدأت أعداد نسور "غريفون" في سردينيا بالتعافي بشكل ملحوظ. فبعد أن كانت على شفا الاندثار، تشير التقديرات الحديثة إلى أن أعدادها قد تضاعفت عدة مرات، لتتجاوز المئتي نسر، مع مؤشرات قوية على استمرار النمو والتوسع. هذا التعافي لم يكن مجرد زيادة في الأعداد، بل انعكس إيجابًا على النظام البيئي بأكمله، حيث استعادت هذه الطيور دورها الحيوي في تنظيف البيئة والحد من انتشار الأمراض، مما يسهم في صحة وسلامة الأنظمة البيئية المحلية.

دروس مستفادة وتطلعات مستقبلية

تُعد قصة نجاح سردينيا في إنقاذ نسور "غريفون" شهادة على أن جهود الحفاظ على التنوع البيولوجي يمكن أن تحقق نتائج ملموسة عندما تتضافر الإرادات وتُتبع استراتيجيات علمية شاملة. إنها تؤكد على أهمية التعاون بين الحكومات، والمنظمات، والخبراء، والمجتمعات المحلية. ورغم هذا النجاح الباهر، لا تزال التحديات قائمة، مثل الحاجة إلى المراقبة المستمرة، ومواجهة آثار التغير المناخي، وضمان استمرارية مصادر الغذاء. ومع ذلك، فإن التجربة السردينية تمنح الأمل بأن العديد من الأنواع المهددة بالانقراض حول العالم يمكن إنقاذها إذا ما تم تكرار هذا النموذج من الالتزام والتفاني.

# نسور غريفون، سردينيا، انقراض، حماية البيئة، جهود المحافظة، إيطاليا، التنوع البيولوجي، برامج إعادة التوطين، الحياة البرية، مدافن الغذاء، محميات طبيعية
اقرأ هذا الخبر