إخباري
الثلاثاء ٧ يوليو ٢٠٢٦ | الثلاثاء، ٢٢ محرم ١٤٤٨ هـ
عاجل
متاح أيضاً بـ: English

من 'الذرة من أجل السلام' إلى برنامج مثير للجدل: كيف أسهمت أمريكا في تأسيس نووي إيران؟

برنامج 'الذرة من أجل السلام' الذي أطلقه الرئيس أيزنهاور قبل

من 'الذرة من أجل السلام' إلى برنامج مثير للجدل: كيف أسهمت أمريكا في تأسيس نووي إيران؟
عبد الفتاح يوسف
2026-04-09 01:14
2

في خضم الحرب الباردة، وقبل 73 عامًا تحديدًا، أطلق الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور مبادرة طموحة عُرفت باسم 'الذرة من أجل السلام'. كان الهدف المعلن لهذه المبادرة هو تسخير القوة الهائلة للطاقة النووية لأغراض سلمية، وتقديم المساعدة التقنية للدول النامية في مجالات مثل الطب والزراعة وتوليد الكهرباء. لكن ما لم يكن متوقعًا حينها، هو أن هذه المبادرة، التي كانت تهدف إلى تعزيز التعاون الدولي ومنع الانتشار النووي غير المنظم، ستضع دون قصد حجر الأساس لأحد أكثر البرامج النووية إثارة للجدل في العالم اليوم: البرنامج النووي الإيراني. هذا ما يكشفه تقرير ليلى غاراغوزلو من شبكة CNN، الذي يسلط الضوء على المفارقة التاريخية في جذور هذا الملف الشائك.

جذور 'الذرة من أجل السلام' والسياق التاريخي

في عام 1953، وبعد سنوات قليلة من التفجيرات النووية المدمرة في هيروشيما وناغازاكي، وفي ذروة سباق التسلح النووي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، ألقى الرئيس أيزنهاور خطابه التاريخي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. كان العالم يعيش تحت تهديد حرب نووية شاملة، وكان أيزنهاور يسعى لتقديم رؤية بديلة للقوة النووية، رؤية تركز على الإمكانات الإيجابية لهذه التكنولوجيا. كانت 'الذرة من أجل السلام' تهدف إلى إظهار حسن نية الولايات المتحدة، وتقديم بديل للانتشار العشوائي للأسلحة النووية من خلال توفير التكنولوجيا والمواد النووية للدول الراغبة في استخدامها سلميًا تحت إشراف دولي.

كانت إيران، في ذلك الوقت، تحت حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حليفًا رئيسيًا للولايات المتحدة في المنطقة. ومع طموحات الشاه لتحديث بلاده وجعلها قوة إقليمية وعالمية، كان الاهتمام بالطاقة النووية لتوليد الكهرباء وتطوير البحث العلمي أمرًا طبيعيًا. رأت واشنطن في التعاون مع طهران فرصة لتعزيز نفوذها في الشرق الأوسط ولتقديم نموذج ناجح لبرنامج نووي سلمي يمكن التحكم فيه.

بدايات البرنامج النووي الإيراني بدعم أمريكي

في عام 1957، وقعت الولايات المتحدة وإيران اتفاقية للتعاون النووي المدني بموجب برنامج 'الذرة من أجل السلام'. كانت هذه الاتفاقية بمثابة نقطة الانطلاق الرسمية للبرنامج النووي الإيراني. قدمت الولايات المتحدة المساعدة التقنية، والتدريب للعلماء والمهندسين الإيرانيين، بل وساعدت في بناء مفاعل طهران للأبحاث النووية، الذي بدأ تشغيله في أواخر الستينيات. كما زودت واشنطن إيران باليورانيوم عالي التخصيب اللازم لتشغيل هذا المفاعل، والذي كان مخصصًا لأغراض البحث العلمي وإنتاج النظائر المشعة للاستخدامات الطبية والصناعية.

لم يقتصر الدعم الأمريكي على المفاعل والمواد، بل شمل أيضًا نقل المعرفة والخبرة التي كانت حيوية لتطوير البنية التحتية النووية الإيرانية. كانت هذه المرحلة تتميز بالشفافية والتعاون الوثيق، حيث كانت الأهداف المعلنة للبرنامج النووي الإيراني سلمية بالكامل، وتخضع لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

من النوايا السلمية إلى الجدل العالمي

تغير المشهد بشكل جذري مع قيام الثورة الإيرانية عام 1979. بعد الإطاحة بالشاه وقطع العلاقات مع الولايات المتحدة، شهد البرنامج النووي الإيراني تحولًا في مساره. توقفت المساعدات الأمريكية، وبدأت إيران في البحث عن مصادر بديلة للتكنولوجيا النووية. ومع مرور الوقت، بدأت تظهر مخاوف دولية متزايدة بشأن طبيعة البرنامج النووي الإيراني، خاصة بعد الكشف عن منشآت نووية سرية في أوائل الألفية الجديدة، وتصاعد قدراتها على تخصيب اليورانيوم.

تحول البرنامج، الذي بدأ كنموذج للتعاون السلمي، إلى مصدر قلق رئيسي للمجتمع الدولي، وسط اتهامات بمحاولة تطوير قدرات أسلحة نووية. فرضت عقوبات دولية مشددة على إيران، وتصاعدت التوترات الدبلوماسية والعسكرية. على الرغم من توقيع الاتفاق النووي عام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة) الذي قيد الأنشطة النووية الإيرانية مقابل رفع العقوبات، إلا أن انسحاب الولايات المتحدة منه في عام 2018 أدى إلى تدهور الوضع مرة أخرى، واستئناف إيران لبعض أنشطتها النووية بوتيرة متسارعة، وتخصيب اليورانيوم إلى مستويات غير مسبوقة.

البرنامج النووي الإيراني اليوم: تحدٍ عالمي

اليوم، يمثل البرنامج النووي الإيراني أحد أبرز التحديات الأمنية والسياسية على الساحة الدولية. ففي حين تصر إيران على أن برنامجها سلمي بحت ويهدف لتوليد الطاقة الكهربائية وتطبيقات طبية، تشكك العديد من القوى العالمية، بما في ذلك الولايات المتحدة وإسرائيل، في هذه النوايا، وتخشى من قدرة إيران على تطوير أسلحة نووية. تستمر المفاوضات والجهود الدبلوماسية للحد من البرنامج، لكن التقدم بطيء، ويزداد القلق بشأن التداعيات المحتملة.

المفارقة التاريخية تظل ماثلة: برنامج 'الذرة من أجل السلام' الذي أطلقه أيزنهاور لتعزيز السلام والاستقرار، أسهم بشكل غير مباشر في تأسيس برنامج أصبح اليوم مصدرًا للتوتر وعدم الاستقرار. يذكرنا تقرير CNN هذا بأن النوايا الحسنة في السياسة الدولية قد تحمل في طياتها عواقب غير مقصودة، وأن التكنولوجيا، مهما كانت أهدافها النبيلة في البداية، يمكن أن تتخذ مسارات مختلفة تمامًا مع تغير الظروف الجيوسياسية.

الكلمات الدلالية: # برنامج نووي إيراني # الذرة من أجل السلام # أيزنهاور # الولايات المتحدة # إيران # نووي # انتشار نووي # أمن دولي