الأربعاء، ٢٦ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ / 7 أكتوبر 2026 م 11:26 م بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

لماذا نكذب؟ استكشاف مسرحي لـ«حدود المصداقية» وكشف النقاب عن «أثواب» الكذب الجديدة

عرض مسرحي في باريس يتعمق في الأبعاد المعقدة للخداع البشري: د
استمع للخبر منوعات عبد الفتاح يوسف 2026-02-15 12:39 83
لماذا نكذب؟ استكشاف مسرحي لـ«حدود المصداقية» وكشف النقاب عن «أثواب» الكذب الجديدة

باريس، فرنسا - وكالة أنباء إخباري

لماذا نكذب؟ استكشاف مسرحي لـ«حدود المصداقية» وكشف النقاب عن «أثواب» الكذب الجديدة

في قلب العاصمة الفرنسية، باريس، وتحديداً في مسرح بيلفيل، يقدم عرض مسرحي يحمل عنوان «على حافة المصداقية» (À la limite de la crédibilité) دعوة جريئة للجمهور للتأمل في أحد أكثر الجوانب إثارة للقلق والتعقيد في السلوك البشري: الكذب. تقدم فرقة «جانيتور» (Janitor) المسرحية، تحت قيادة الثلاثي المبدع مارغريت كورسييه، كاميل جوانست، ولورين فيلالونغا، رحلة فنية عميقة لاستكشاف الدوافع المتعددة وراء الخداع، متجاوزة السرد السطحي لتصل إلى جوهر الحقيقة الكامنة وراء الأكاذيب.

ينبع هذا العمل المسرحي من حادثة بسيطة لكنها ذات مغزى: مزحة بين صديقات حول وجبة «أرز كانتوني» مشتركة مع شخصية مشهورة. هذه الكذبة الصغيرة، التي سرعان ما اكتسبت مصداقية بفضل حماس الراوية، كشفت عن السهولة التي يمكن بها للخداع أن يتغلغل في العلاقات الإنسانية. من هذا السيناريو اليومي، انطلق الثلاثي المبدع في بحث مكثف، متجاوزين خشبة المسرح لإجراء مقابلات مع مجموعة متنوعة من الأفراد – من المحامين والممرضين إلى النوادل والأطباء النفسيين – لجمع شهادات حقيقية حول الكذب. تم دمج هذه الروايات الحية، مع كل ما فيها من عفوية وتفاصيل دقيقة، ضمن نسيج العرض، مما أضفى عليه أصالة وواقعية تلامس الروح.

ما يميز هذا العرض هو قدرته على تصوير الكذب ليس كفعل أحادي الجانب، بل كظاهرة متعددة الأوجه يمكن أن تكون وسيلة للضرر أو للنفع، لإخفاء الذات أو لإظهارها، للوجود أو للتلاشي. يتبنى العرض مفهوم «الفارماكون» اليوناني، الذي يشير إلى أن الشيء يمكن أن يكون دواءً وسمًا في آن واحد. هذا المنظور الفلسفي يثري التجربة المسرحية، ويدفع المشاهدين للتفكير في ازدواجية الكذب في حياتهم الخاصة وفي المجتمع الأوسع.

تتجاوز «على حافة المصداقية» مجرد السرد، لتتحول إلى تجربة حسية بصرية. فاستخدام الأضواء والظلال، بالإضافة إلى الأقنعة، يخلق أجواءً تتلاعب بالحدود بين الواقع والوهم. تلعب «الأزياء» دورًا محوريًا، فهي ليست مجرد ملابس أو إكسسوارات، بل تصبح عناصر سردية بحد ذاتها، تعكس كيف يمكن للحكايات أن «تلتصق» بنا وتصبح جزءًا من هويتنا، تمامًا كالملابس التي نرتديها. هذا الاستخدام الرمزي يضيف طبقة أخرى من العمق إلى رسالة العرض.

يتجلى عمق العمل أيضًا في استلهامه من أقوال مفكرين بارزين. فعبارة طبيب الأطفال البريطاني دونالد وينيكوت، التي تعرض على خلفية المسرح: «نحن نكذب لنختبئ. لنختبئ ولكن ليتم العثور علينا. لأن الاختباء متعة، لكن عدم العثور علينا كارثة»، تلخص جوهر التناقض البشري. إنها تسلط الضوء على الرغبة في الحماية وفي الوقت نفسه الشوق إلى الاكتشاف والفهم. هذه الفكرة تتردد صداها مع مشهد الطبيبة النفسية التي، وسط هالة من الدخان، تصف قصص مرضاها بأنها «تلتصق بنا، وتسكننا كالملابس»، مما يؤكد على أن السرديات التي نبنيها، سواء كانت حقيقية أو كاذبة، تشكل جزءًا لا يتجزأ من هويتنا.

يقدم عرض «على حافة المصداقية» أكثر من مجرد ترفيه مسرحي؛ إنه دعوة للتأمل النقدي في العلاقة المعقدة بين الحقيقة والخداع في حياتنا اليومية. من خلال مزيج من السرد الشخصي، البحث الميداني، والرموز المسرحية، تنجح فرقة «جانيتور» في تقديم عمل فني يستمر في إثارة الأسئلة والتفكير طويلاً بعد إسدال الستار. يستمر العرض في مسرح بيلفيل حتى 28 فبراير 2026، مما يوفر فرصة كبيرة للجمهور للانغماس في هذا الاستكشاف العميق للطبيعة البشرية.

# الكذب، المسرح، النفس، المصداقية، فرقة جانيتور، بيلفيل، الحقيقة، الخداع، دونالد وينيكوت، فنون الأداء، دراما، السلوك البشري
اقرأ هذا الخبر