المملكة العربية السعودية - وكالة أنباء إخباري
لوسي-نايت: كشف أسرار أقدم أصداء الكون من الجانب البعيد للقمر
لطالما كان الجانب البعيد من القمر، الغامض والمحجوب عن أنظارنا، يمثل حدودًا نهائية للاستكشاف البشري. الآن، يستعد هذا الجانب المجهول ليصبح نقطة انطلاق لرحلة علمية غير مسبوقة تهدف إلى الكشف عن أسرار فجر الكون نفسه. مهمة "لوسي-نايت" (LuSEE-Night)، وهي اختصار لـ "مستكشف الصمت الكهرومغناطيسي القمري - الليل"، ليست مجرد مهمة قمرية أخرى؛ إنها مسعى طموح للعودة بالزمن إلى الوراء، والاستماع إلى الأصداء الخافتة "للعصور الكونية المظلمة"، وهي فترة حرجة في تاريخ الكون بدأت بعد وقت قصير من الانفجار العظيم.
إن إطلاق مهمة "بلو غوست ميشن 2" التابعة لشركة فايرفلاي إيروسبيس، والتي تحمل تلسكوب لوسي-نايت الراديوي، يمثل شهادة على التقدم المذهل في هندسة الفضاء والرغبة الإنسانية التي لا تتزعزع في فهم وجودنا. هذه المهمة، التي تمثل تتويجًا لعمل استمر 40 عامًا، تهدف إلى تحقيق إنجاز تاريخي: أن تصبح ثالث مهمة ناجحة تهبط على الجانب البعيد من القمر، وذلك بعد مهمتي تشانغ آه 4 (يناير 2019) وتشانغ آه 6 (يونيو 2024) الصينيتين. ولكن بينما ركزت المهام السابقة على دراسة تضاريس القمر وتكوينه، فإن لوسي-نايت لديها هدف أعمق بكثير: إلقاء الضوء على فترة من التاريخ الكوني لم يتم ملاحظتها بشكل مباشر من قبل.
اقرأ أيضاً
- الخميس ٢٧ أغسطس إجازة رسمية بمناسبة المولد النبوي الشريف بدلاً من الثلاثاء ٢٥ من الشهر الجاري
- الرئيس عبد الفتاح السيسى يستعرض ملفات وزارة العدل
- الرئيس السيسى يستقبل كوشنر بالعلمين
- إيقاف جمع البلازما في كندا: تحقيق حكومي ووفيات متبرعين يثيران القلق
- محكمة أونتاريو العليا تسمح بإزالة مسارات الدراجات في تورونتو
يكمن السبب الرئيسي لاختيار الجانب البعيد من القمر في طبيعة الهدف العلمي للمهمة. إن الكشف عن إشارات الهيدروجين المحايد الشديدة الخفوت والمحولة إلى الأحمر من العصور الكونية المظلمة يتطلب بيئة خالية تمامًا من التداخلات الكهرومغناطيسية. الأرض، بكل ما فيها من شبكات البث والاتصالات اللاسلكية، هي مكان صاخب بشكل لا يصدق. إن موجات التردد اللاسلكي التي تحمل صور هبوط نيل أرمسترونغ التاريخي، وأصوات الموسيقى التي شكلت جيلًا، وحتى مئات المقاطع العلمية التي يتم بثها يوميًا، تخلق ضجيجًا خلفيًا واسع النطاق يحجب أي إشارات كونية خافتة. يوفر الجانب البعيد من القمر درعًا طبيعيًا ضد كل هذا التلوث الراديوي، مما يجعله مرصدًا مثاليًا وغير ملوث. إنه مكان قاسٍ وبارد ومضياف، لكن عزلته هي أثمن ميزة له.
تشير العصور الكونية المظلمة إلى الفترة التي تلت الانفجار العظيم بنحو 380 ألف عام، واستمرت ما بين 200 إلى 400 مليون عام. خلال هذا الوقت، لم تكن هناك نجوم أو مجرات، بل كان الكون يتكون بشكل أساسي من سحابة كثيفة من الهيدروجين المحايد والهيليوم. لم ينبعث أي ضوء من هذه الفترة، وبالتالي "الظلام". إن الإشارات التي تسعى لوسي-نايت للكشف عنها ليست صادرة مباشرة من الهيدروجين في هذه العصور، بل هي التغيرات الطفيفة في الخلفية الكونية الميكروية (CMB) التي تحدث عندما يمتص الهيدروجين المحايد طاقة منها. إن اكتشاف هذه "البصمات" الدقيقة سيوفر معلومات حيوية حول توزيع المادة في الكون المبكر، وكيف بدأت النجوم والمجرات الأولى في التكون.
على الرغم من أن مهمة لوسي-نايت قد استغرقت 40 عامًا لتتحقق، إلا أن نافذة الفرصة للعمل في بيئة هادئة على الجانب البعيد من القمر تغلق بسرعة. إن العديد من الدول، بما في ذلك الصين والهند واليابان وروسيا وكوريا الجنوبية والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة، تحرز تقدمًا مطردًا نحو إنشاء وجود قمري. وهذا يعني نشر المزيد من أقمار التتابع الصناعية في مدار حول القمر لدعم الأنشطة الاستكشافية والقواعد القمرية المخطط لها للعقد القادم وما بعده. كل قمر صناعي جديد، كل جهاز إرسال جديد، يزيد من خطر التداخل الكهرومغناطيسي، مما يهدد البيئة البكر التي تجعل الجانب البعيد مثاليًا. إن لوسي-نايت قد تصل في اللحظة الأخيرة، قبل أن يصبح الصمت الكهرومغناطيسي الذي تسعى إليه مجرد ذكرى.
ومع ذلك، هناك جهود جارية للتخفيف من هذا التهديد. يعمل علماء الفلك الراديوي على وضع بروتوكولات جديدة يمكن أن تساعد في الحفاظ على الصمت الكهرومغناطيسي للجانب البعيد، حتى مع تقدم الجهود الاستكشافية. إن هذا التحدي يبرز الحاجة إلى التعاون الدولي والتخطيط الدقيق لضمان أن تبقى هذه المنطقة الفريدة من الكون متاحة للبحث العلمي العميق. إن مهمة لوسي-نايت تمثل أكثر من مجرد إنجاز تكنولوجي؛ إنها رمز لسعي البشرية الذي لا ينتهي إلى المعرفة، وشهادة على الإيمان بأن أعمق أسرار الكون يمكن كشفها من أبعد نقاطه.
أخبار ذات صلة
- الأهلي يستهدف صامويل جاندي كبديل لمصطفى قابيل لتعزيز هجومه الشتوي
- لاعبون بلا أندية: راموس وستيرلينغ على رأس قائمة نجوم يبحثون عن محطات جديدة بعد إغلاق الميركاتو الشتوي
- تعيين المستشار أحمد بدوي رئيسًا للجنة القانونية والمكتب الفني بنادي الزمالك: خطوة استراتيجية نحو تعزيز الحوكمة والتميز القضائي
- مقارنة الأرقام تضع لامين يامال في صدارة المواهب الشابة متفوقًا على ثنائي ريال مدريد
- حصوات الكلى: التهديد الصامت الذي قد يباغتك بأعراض حادة