إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
--° القاهرة

مؤتمر ميونيخ للأمن: صدمة التصدع الأطلسي وميلاد نظام عالمي جديد

استمع للخبر Saudi 365 2026-02-15 00:42 6
مؤتمر ميونيخ للأمن: صدمة التصدع الأطلسي وميلاد نظام عالمي جديد

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

شهد مؤتمر ميونيخ للأمن، الذي عُقد الجمعة وسط ترقب دولي، تصريحات مدوية رسمت ملامح مرحلة جديدة من التحديات الجيوسياسية والعلاقات الدولية. فمن قلب جنوب ألمانيا، حيث يجتمع قادة ومسؤولون من شتى أنحاء العالم لمناقشة قضايا الأمن الدولي، أطلق المستشار الألماني فريدريش ميرتس تحذيراً لا لبس فيه بأن النظام العالمي «لم يعد قائماً»، وهي حقيقة مريرة بات يتفق عليها العديد من الحلفاء التقليديين، وإن تباينت رؤاهم حول كيفية التعامل معها.

اتساع الهوة الأطلسية: تحذير ألماني صريح

تصدّر خطاب ميرتس، المنتمي لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي ليمين الوسط، المشهد، مسلطاً الضوء على انقسام متزايد ومقلق بين الولايات المتحدة وأوروبا. لم يكتفِ المستشار الألماني بالإشارة إلى زوال النظام القديم، بل حذر بوضوح من أن «حرية أوروبا لم تعد أمراً مفروغاً منه» في ظل واقع دولي تتجاهل فيه القوى الكبرى القواعد والمواثيق. ودعا ميرتس، في كلمته الحماسية، أوروبا إلى الاستثمار الجاد في تعزيز قدراتها الدفاعية والردعية لمواجهة التهديدات المتزايدة، وفي مقدمتها العدوان الروسي على أوكرانيا الذي أدانه بشدة.

لم يتردد ميرتس في توجيه انتقادات علنية لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مستذكراً سياساتها الحمائية المتعلقة بالتعريفات الجمركية، وموقفها المتناقض تجاه قضايا تغير المناخ، فضلاً عن «حروبها الثقافية». ورغم أن هذه التصريحات قد لا تروق للبعض في واشنطن، إلا أنها تعكس قلقاً أوروبياً عميقاً من التوجهات الانعزالية التي قد تهدد أسس التحالف عبر الأطلسي. ومما يثير الانتباه أن الإدارة الأمريكية الحالية تشاطر أوروبا الرأي حول فكرة انتهاء النظام العالمي السابق، وإن اختلفت في طريقة مقاربة هذا الواقع الجديد.

واشنطن تقر بالتحول: عصر جديد في الجغرافيا السياسية

قبل انطلاق المؤتمر بيوم واحد، أدلى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بتصريحات مماثلة لدى مغادرته إلى ميونيخ، مؤكداً أن «العالم القديم قد ولى بصراحة، ونحن نعيش في عصر جديد في الجغرافيا السياسية». وأضاف روبيو أن هذا الواقع الجديد «سيتطلب منا جميعاً إعادة النظر في شكل هذا العالم ودورنا فيه»، مشدداً في الوقت ذاته على الأهمية الاستراتيجية لأوروبا بالنسبة للولايات المتحدة. وأعرب روبيو عن اعتقاده بأن الشركاء الأوروبيين «يريدون الصراحة. يريدون أن يعرفوا إلى أين نتجه، وإلى أين نريد أن نتجه، وإلى أين نريد أن نتجه معهم»، في إشارة إلى رغبة واشنطن في إرساء أسس واضحة للعلاقات المستقبلية.

وفي اليوم التالي، كان ميرتس صريحاً بالفعل في تقييمه للعلاقات عبر الأطلسي، مؤكداً أن «الهوة بين أوروبا والولايات المتحدة قد اتسعت». وعبر عن أسفه لـ«نهاية نظام عالمي دولي قائم على الحقوق والقواعد»، مضيفاً بنبرة حادة: «لقد تم التشكيك في أحقية الولايات المتحدة بالقيادة، وربما فقدتها». هذا التقييم الصريح يمثل تحولاً في الخطاب الأوروبي، الذي لطالما حرص على ضبط نبرته تجاه الحليف الأكبر، لكن يبدو أن حجم التحديات ومستوى الانقسام بات يتطلبان صراحة غير مسبوقة.

رد ألماني على حرب الثقافات والتجارة الحمائية

ولم تكن تصريحات ميرتس مجرد تقييم عام، بل جاءت أيضاً رداً مباشراً على الخطاب الحاد الذي ألقاه نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس في مؤتمر العام الماضي، والذي انتقد فيه السياسيين الأوروبيين بشدة، زاعماً أنهم «يقمعون حرية التعبير، ويفقدون السيطرة على الهجرة، ويرفضون التعاون مع أحزاب اليمين المتطرف في الحكومة». وبعد مرور عام، رد ميرتس بقوة قائلاً: «إن صراع الثقافات الذي يخوضه أنصار ترامب في الولايات المتحدة ليس صراعنا. حرية التعبير هنا (في ألمانيا) تنتهي عندما تُوجّه الكلمات المنطوقة ضد كرامة الإنسان وقانوننا الأساسي».

وأضاف ميرتس، وسط تصفيق حار، «نحن لا نؤمن بالتعريفات الجمركية والحمائية، بل بالتجارة الحرة»، في إشارة واضحة إلى السياسات الاقتصادية التي تبنتها إدارة ترامب سابقاً. وتابع مؤكداً الالتزام الأوروبي بالمبادئ المتعددة الأطراف: «نحن نلتزم باتفاقيات المناخ ومنظمة الصحة العالمية، لأننا مقتنعون بأن التحديات العالمية لا يمكن حلها إلا بالعمل الجماعي». وتأتي هذه التصريحات كتذكير بالقرارات التي اتخذتها إدارة ترامب في عام 2025 برفع الرسوم الجمركية على الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، وانسحابها من اتفاقية باريس للمناخ ومنظمة الصحة العالمية.

دعوة للتعاون في عصر القوى العظمى

وفي لفتة دبلوماسية قوية، انتقل المستشار الألماني إلى اللغة الإنجليزية، موجهاً تحذيراً شديد اللهجة للقيادة الأمريكية، وداعياً في الوقت نفسه إلى إصلاح العلاقات عبر الأطلسي. وقال: «في عصر التنافس بين القوى العظمى، حتى الولايات المتحدة لن تكون قادرة على العمل بمفردها. أيها الأصدقاء الأعزاء، إن الانضمام إلى حلف الناتو ليس ميزة تنافسية لأوروبا فحسب، بل هو أيضاً ميزة تنافسية للولايات المتحدة». هذه الكلمات تؤكد على الأهمية المتبادلة للتحالف، وتحث واشنطن على إعادة التفكير في أي توجهات انعزالية.

يأتي هذا المنتدى الحاسم بعد أسابيع قليلة من اجتماع متوتر آخر لقادة العالم في دافوس بسويسرا، حيث ألقى ترامب خطاباً انتقد فيه القادة الأوروبيين بسبب سياساتهم المتعلقة بالهجرة، واشتكى من استغلال الحلفاء الأوروبيين للولايات المتحدة. ومن المتوقع أن يعقد ميرتس اجتماعات ثنائية هامة مع روبيو والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مؤتمر هذا العام، مما يضفي بعداً استراتيجياً إضافياً على النقاشات الجارية حول مستقبل الأمن العالمي.

# مؤتمر ميونيخ للأمن # العلاقات عبر الأطلسي # النظام العالمي الجديد # أوروبا والولايات المتحدة # فريدريش ميرتس # ماركو روبيو # السياسة الألمانية # التحالف الغربي # حلف الناتو # التجارة الحرة # تغير المناخ # روسيا وأوكرانيا # الأمن الدولي
اقرأ هذا الخبر