الجمعة، ٩ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ / 21 أغسطس 2026 م 09:06 م بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

مؤتمر ميونيخ للأمن: مقياس لا يتغير للجيوسياسة عبر الأطلسي

من المواجهة التاريخية بين فيشر ورمزفيلد إلى خطاب زيلينسكي ور
استمع للخبر الأخبار عبد الفتاح يوسف 2026-02-17 23:29 12
مؤتمر ميونيخ للأمن: مقياس لا يتغير للجيوسياسة عبر الأطلسي

ميونيخ - وكالة أنباء إخباري

مؤتمر ميونيخ للأمن: مقياس لا يتغير للجيوسياسة عبر الأطلسي

في عالم يدعي أنه تغير بشكل لا رجعة فيه، يبرز مؤتمر ميونيخ للأمن (MSC)، دورة بعد دورة، كمرآة لا ترحم للتعقيدات الجيوسياسية، لا سيما في العلاقة الحاسمة عبر الأطلسي. هذا المنتدى السنوي، الذي يُعقد في قلب بافاريا، ليس مجرد نقطة التقاء لزعماء العالم؛ إنه ساحة تتصادم فيها رؤى أوروبا والولايات المتحدة وتتداخل، كاشفة عن تقارب المصالح والانقسامات العميقة التي لا تزال قائمة.

لم تكن الدورة الأخيرة لمؤتمر ميونيخ للأمن استثناءً، بل بدت وكأنها تؤكد الطبيعة التاريخية لمداولاتها. مع شخصيات بارزة مثل ماركو روبيو، الذي يمثل 'الشرطي الجيد' في الدبلوماسية الأمريكية ويدعو إلى 'استعادة' النظام العالمي، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي يعرض على الشاشة صوراً مؤثرة لـ 'روسيين تم القضاء عليهم بواسطة طائرات أوكرانية بدون طيار' —تحديث قاتم للدبلوماسية في العصر الرقمي—، كانت الساحة مهيأة لنقاش مكثف. أُضيف إلى ذلك تدخل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي، بدون النظارات الشمسية المعتادة التي غالباً ما تصاحب صورته الإعلامية، وضع المظلة النووية الفرنسية على الطاولة، مؤكداً الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية. لم تجذب هذه التدخلات الانتباه العالمي فحسب، بل كشفت أيضاً عن إعادة التشكيل المستمرة للفجوة عبر الأطلسي، التي يبدو أن حجمها يتأرجح بشكل كبير حسب المتحدث باسم الإدارة الأمريكية في كل مرة.

ومع ذلك، فإن فكرة 'النبض' المستمر بين ضفتي الأطلسي ليست جديدة. كان هذا الشد والجذب سمة ثابتة في مؤتمر ميونيخ للأمن منذ بداياته، مما عزز مكانته كمنتدى لا غنى عنه للأمن الدولي. ما تطور حقاً هو حجم الحدث وعظمته. قبل عقدين فقط، كانت قاعة الصحافة بالمؤتمر مساحة متواضعة، بالكاد تكفي لعدد قليل من الصحفيين. اليوم، يعد الانتشار اللوجستي والإعلامي الهائل، القادر على استيعاب الآلاف من الإعلاميين، شهادة على الاهتمام العالمي المتزايد بالجيوسياسة، ولا سيما هذا الحوار عبر الأطلسي. وكما تذكر الصحفية كارمن فاليرو في تقاريرها القديمة، كانت شخصيات مثل سيرغي لافروف، رئيس الدبلوماسية الروسية آنذاك، الأكثر انتظاراً، مما يشير إلى ديناميكية القوة والاهتمام المتغيرة على الساحة الدولية.

تردد صدى المواجهات الماضية بقوة في أروقة ميونيخ. ففي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، شهد المؤتمر نقاشاً أوروبياً أمريكياً مكثفاً. مثال نموذجي على ذلك كان دورة عام 2003، في فبراير البارد الذي تجرأ فيه وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر، وهو سياسي ذو جذور بيئية سلمية، على تحدي دونالد رمزفيلد علناً، الذي كان آنذاك وزير الدفاع الأمريكي. وصل رمزفيلد إلى المؤتمر التاسع والثلاثين بهدف إقناع العالم بالانضمام إلى واشنطن في الغزو الوشيك للعراق.

في لحظة توتر واضح، بدأ فيشر، جالساً على بعد أمتار قليلة من نظيره الأمريكي، مداخلته بلباقة ظاهرة: "أعتقد أن هذه فرصة ممتازة لمعالجة هذه المسألة بين الأصدقاء، بين الأصدقاء القدامى". وتابع معرباً عن تفهم أوروبا لمشاعر ومخاوف الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر، لكنه سرعان ما تحول إلى إعلان أكثر جرأة. "ولكن اسمحوا لي أن أوضح شيئاً في هذه النقطة. اليوم أجد نفسي في موقف يتعين علي فيه المشاركة في نقاشين: أحدهما داخلي والآخر عبر الأطلسي"، مؤكداً الضغط المباشر من واشنطن. ثم، بنظرة ثاقبة عبر نظارته المنزلقة على أنفه، متوجهاً إلى "الصقر" الجمهوري، انتقل فيشر إلى اللغة الإنجليزية لينطق بالعبارة الأيقونية التي ستبقى محفورة في تاريخ الدبلوماسية عبر الأطلسي: "Excuse me, I am not convinced" ("عفواً، لست مقتنعاً").

منذ تلك اللحظة الحاسمة، شهد المشهد العالمي تحولات عميقة، ومرت العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا بمياه مضطربة، ربما لم تكن يوماً أقرب إلى الهاوية كما هي الآن. ومع ذلك، حافظت ميونيخ على دورها كساحة مفضلة حيث تكشف القوتان أوراقهما. تجد كلمات فيشر في عام 2003 صدى معاصراً في التصريحات الأخيرة والمثيرة للجدل بنفس القدر لنائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، الذي صرح للأسف بأن "التهديد يأتي من الداخل"، مشيراً إلى التحديات الداخلية التي، في رأيه، تضعف الولايات المتحدة، ولكن بالنسبة للكثيرين في أوروبا، فإنها تحمل نبرة انعزالية وعدم ثقة تجاه الحلفاء التقليديين. قد تختلف الرسائل والنبرات، مما يعكس شخصيات وأولويات كل إدارة، ولكن "ساحة" ميونيخ تبقى، واعدة بمواجهات وإعادة تعريفات جديدة في الدورات المستقبلية، مثل تلك المتوقعة لعام 2027.

# مؤتمر ميونيخ للأمن، العلاقات عبر الأطلسي، الجيوسياسة، أوروبا، الولايات المتحدة، يوشكا فيشر، دونالد رمزفيلد، ماركو روبيو، فولوديمير زيلينسكي، إيمانويل ماكرون، السياسة الخارجية، الأمن الدولي
اقرأ هذا الخبر