الأربعاء، ٥ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ / 16 سبتمبر 2026 م 09:35 ص بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

هجرة العلماء من الولايات المتحدة: حصار الأدمغة في عهد ترامب

استمع للخبر تقنيات عبد الفتاح يوسف 2026-02-13 20:07 19
هجرة العلماء من الولايات المتحدة: حصار الأدمغة في عهد ترامب

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

شهدت الساحة العلمية والأكاديمية في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة الأخيرة تحولات عميقة، تمثلت في هجرة متزايدة للعديد من العلماء وتفكير آخرين جديًا في مغادرة البلاد. يأتي هذا التوجه في أعقاب سلسلة من القرارات والسياسات التي اتخذتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، والتي أثارت جدلاً واسعًا حول دوافعها وتداعياتها على مكانة الولايات المتحدة كمركز عالمي للبحث والابتكار. وتطرح هذه التطورات تساؤلات ملحة حول ما إذا كانت هذه الإجراءات مدفوعة باعتبارات اقتصادية لخفض النفقات، أم أنها تعكس قناعات فكرية وشخصية للرئيس ترامب.

تقويض البحث العلمي: سياسات متراكمة

منذ ولايته الأولى، أولت إدارة ترامب الأولوية القصوى للمصالح الاقتصادية، وعملت بجد على إزالة ما اعتبرته أعباء تنظيمية غير ضرورية على النشاط الاقتصادي. وقد تزامن ذلك مع تقليل ملحوظ في أهمية البحث العلمي، وهو ما تجلى في إجراءات عديدة وثقتها قاعدة بيانات "متتبع العلوم". فبين انتخاب ترامب وتنصيب الرئيس جو بايدن، أحصت القاعدة 346 إجراءً حكوميًا مناهضًا للعلم، مما أحدث تغييرًا جذريًا في كيفية أداء واستخدام البحث العلمي من قبل الوكالات الفيدرالية.

لم يقتصر الأمر على تقويض الدعم المالي، بل سعت الإدارة إلى تقييد الوصول إلى المعلومات العلمية أو التشكيك في صحتها بشكل ممنهج. طال ذلك العلماء أنفسهم، حيث أُقيل العديد ممن اعترضوا على هذه السياسات، بينما مُنع آخرون من إجراء أبحاث حول قضايا حيوية مثل تغير المناخ. وعلى النقيض من ذلك، تعهد الرئيس بايدن قبل توليه منصبه بإنهاء هذا التوجه واعتماد العلم أساسًا للتعامل مع الأزمات، في حين كان ترامب قد وصف الاستماع إلى العلماء بأنه حماقة ستؤدي إلى كساد اقتصادي هائل.

الدوافع الكامنة: اقتصادية أم أيديولوجية؟

تختلف التفسيرات حول الدوافع الحقيقية وراء سياسات ترامب. يعرب الدكتور بريان ساندبرغ، أستاذ التاريخ في جامعة شمال إلينوي، في تصريح خاص لوكالة أنباء "إخباري"، عن عدم فهمه لدوافع هذه "الهجمات" على البحث والتعليم العالي. إلا أنه يضيف أن "العديد من التقارير الإخبارية تشير إلى وجود علاقات وثيقة مع قادة شركات التكنولوجيا الفائقة والذكاء الاصطناعي، الذين يبدو أن لديهم مصالح خاصة في الوصول إلى أموال الأبحاث الفيدرالية مما يؤدي إلى تعطيل أنظمة الأبحاث"، في إشارة إلى احتمال وجود تأثير من جماعات ضغط صناعية.

من جانبه، يقدم الدكتور بول جوزيفسون، أستاذ التاريخ الفخري في كلية كولبي والباحث في التاريخ السياسي للعلوم الحديثة، تحليلًا أعمق. يؤكد جوزيفسون أن "دونالد ترامب يعتقد أنه أكثر دراية بأي موضوع"، مشيرًا إلى خطبه التي تناول فيها مواضيع علمية معقدة كالتغير المناخي وطاقة الرياح والأسلحة النووية، مع "سوء فهم واضح لهذه المواضيع". يرى جوزيفسون أن ترامب يعتبر "الفكر الليبرالي تفكيرًا خاطئًا، ويعتقد أن الجامعات معاقل لهذا الفكر"، وهذا أحد الأسباب الرئيسية لعدائه للعلماء، كونه يعتبرهم مصدر قوة للحزب الديمقراطي.

ويضيف جوزيفسون بعدًا آخر، موضحًا أن "ترامب يعتقد أن النساء وذوي البشرة الملونة يشغلون مناصبهم ليس بفضل مهاراتهم وكفاءتهم، بل بفضل أيديولوجية ليبرالية وبرامج غير عادلة". وقد تجلى هذا التوجه في إصدار أمر بمنع استخدام مصطلحات علمية معينة في المنشورات الممولة حكوميًا. كما يربط جوزيفسون جهود ترامب لإلغاء اللوائح المتعلقة بالتلوث والصحة العامة والسلامة بدعمه للشركات الكبرى، لا سيما شركات النفط والغاز وتكنولوجيا المعلومات.

سياسات الهجرة الجديدة: حصار المواهب

مع بداية عام 2025، دخل ملف الهجرة في الولايات المتحدة مرحلة أكثر تشددًا، بدءًا من 20 يناير/كانون الثاني 2025، بإصدار أمر رئاسي بعنوان "حماية الشعب الأميركي ضد الغزو". هذا الأمر لا يغير فقط نصوص القوانين، بل يغير من مزاج وسلوك الجهاز التنفيذي، مما يؤثر سريعًا على شعور الباحثين الأجانب بالاستقرار، ويقلل من قدرة الجامعات على استقطاب المواهب دون خشية من تغيير مفاجئ في القواعد.

في يونيو/حزيران 2025، تجلى هذا التشدد في مسارين متوازيين: الأول هو توسيع التدقيق الأمني في تأشيرات الدراسة والتبادل ليشمل النشاط الإلكتروني للمتقدمين، متجاوزًا الوثائق الأكاديمية والتمويل التقليدي ليشمل البصمة الرقمية. أما المسار الثاني، فظهر مع تقارير عن تجميد مؤقت لمواعيد المقابلات الجديدة لتأشيرات الطلبة والتبادل في أواخر مايو/أيار 2025، في إطار التحضير لفحص وسائل التواصل الاجتماعي. ثم توالت القيود بإعلان قيود دخول وإصدار تأشيرات بحق رعايا دول معينة بحجة قصور إجراءات التدقيق وتبادل المعلومات، وهو إجراء بدأ سريانه في 9 يونيو/حزيران 2025.

وفي 19 سبتمبر/أيلول 2025، صدر إعلان رئاسي يقيد دخول حاملي تأشيرة "إتش-1بي" (H-1B) إلا إذا كان الطلب مصحوبًا بدفع 100 ألف دولار. هذه التأشيرة، التي كانت أداة رئيسية لجذب المواهب الأجنبية في "المهن التخصصية"، أصبحت الآن مسارًا محفوفًا بمخاطر مالية وتنظيمية جسيمة. وبصفة عامة، يمكن تلخيص موقف الحكومة الأمريكية في عام 2025 بأنه يغلب منطق "الردع" و"الفرز الأمني" الصارم على منطق الجذب والانفتاح.

سياقات أوسع: تداعيات سياسية واقتصادية

تأتي هذه السياسات في سياقات أوسع تعكس توجهات الإدارة. ففي مارس/آذار الماضي، قررت الحكومة الأمريكية إلغاء منح وعقود فيدرالية بقيمة 400 مليون دولار لجامعة كولومبيا، مبررة ذلك بـ"تقاعس الجامعة المستمر في مواجهة المضايقات للطلاب اليهود"، وذلك على خلفية الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين. وكان ترامب قد دعا مسؤولي الهجرة إلى "ترحيل الطلاب المتعاطفين مع حماس"، بينما أكد وزير الخارجية ماركو روبيو إلغاء تأشيرات ما لا يقل عن 300 طالب، مهددًا بالمزيد.

وفي سياق آخر، اتخذت إدارة ترامب قرارًا بالانسحاب من منظمة الصحة العالمية، رغم أن الولايات المتحدة عضو مؤسس وساهمت بنحو سدس إجمالي دخل المنظمة بين عامي 2022-2023. كما وقع ترامب في مارس/آذار على أمر تنفيذي يكلف وزيرة التعليم بالبدء في تفكيك وزارة التعليم، بحجة توفير عشرات المليارات من الدولارات المُهدرة. ولم تقتصر الإجراءات على ذلك، بل فرضت الإدارة رسومًا جمركية تتراوح بين 10% و54% على الواردات، مما أدى إلى زيادة تكاليف معدات المختبرات والأجهزة العلمية المتخصصة.

إن هذه السلسلة من القرارات، سواء المتعلقة بالبحث العلمي مباشرة، أو الهجرة، أو التمويل الأكاديمي، أو حتى التجارة الدولية، ترسم صورة متكاملة لنهج يميل إلى التضييق والتقوقع، ويضع الولايات المتحدة أمام تحدٍ كبير للحفاظ على تفوقها العلمي والتكنولوجي، والذي طالما استند إلى جاذبيتها للمواهب من جميع أنحاء العالم.

# هجرة العلماء # الولايات المتحدة # تقويض البحث العلمي # سياسات الهجرة # دونالد ترامب # الجامعات الأمريكية # الأمن القومي # تأثير اقتصادي # منظمة الصحة العالمية # وزارة التعليم # تأشيرات H-1B
اقرأ هذا الخبر