الاثنين، ٥ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ / 17 أغسطس 2026 م 10:07 م بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

براساي: عدسة تكشف أسرار باريس الليلية في معرض استوكهولم

معرض 'براساي والعلامات السرية لباريس' يُعيد إحياء سحر مدينة
استمع للخبر الشرق الأوسط عبد الفتاح يوسف 2026-04-20 07:13 48
براساي: عدسة تكشف أسرار باريس الليلية في معرض استوكهولم

استوكهولم - وكالة أنباء إخباري

يستضيف متحف الفن الحديث 'موديرنا ميوزيت' في العاصمة السويدية استوكهولم معرضاً فنياً فريداً بعنوان 'براساي والعلامات السرية لباريس'، يُسلط الضوء على أعمال المصور المجري الشهير براساي، الذي اشتهر بتوثيقه للحياة الليلية والأسرار الخفية لمدينة باريس في ثلاثينات القرن الماضي. يقدم المعرض، الذي يضم أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود، فرصة استثنائية للغوص في أعماق مدينة النور كما لم تُرى من قبل، عبر عدسة فنان أدرك جوهرها المتمرد والغامض.

سحر باريس الخفي في عيون براساي

غالباً ما يجد المرء صعوبة في التقاط السحر الحقيقي والتأثير العاطفي للمشهد من خلال الصورة، ليس لأن الصورة تخون متعة النظر، بل لأنها تتطلب عيناً خبيرة ومفعمة بالإلهام لاستخراج مواقع الجمال الخفية. هذا ما اختبره الكثيرون عند محاولة توثيق باريس، مدينة الغرام والجمال، حيث تبدو الصور أحياناً عاجزة عن نقل اللحظة الشعرية. ولكن عند زيارة معرض براساي، يشعر الزائر وكأنه يستعيد باريس التي غرم بأزقتها، ونهر السين، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة صنعتها الثقافة.

براساي، بصفته 'كائناً ليلياً'، صور باريس في الليل، متلصصاً على أسرارها، مقيماً عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً، ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أن باريس، وهي ليست مسقط رأسه، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية، غير أن سحرها المدهش هو الغالب. هذا ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من هو براساي؟ رحلة مصور الليل

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا، التي كانت آنذاك جزءاً من المجر. بعد دراسته في بودابست وبرلين، انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924، وعمل في البداية صحافياً. جاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه 'باريس ليلاً' (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933، والذي ضم العديد من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه 'من براسو'، في إشارة إلى مسقط رأسه.

باريس السرية: الكواليس والجدل

بعد النجاح الباهر لكتابه 'باريس ليلاً'، تلقى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشر كتاب 'باريس السرية في الثلاثينات' إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور، كاشفاً عن جانب لم يره الكثيرون من المدينة.

انخرط براساي بعمق في الأوساط الفنية الباريسية، وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف. وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً، فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما عن كيفية قيامه بذلك، فقد أشارت آنا تيلغرين، أمينة متحف 'موديرنا'، في دليل المعرض إلى أن بعض صوره عن الحياة السرية كانت مُعدة سلفاً، حيث كان مساعده، غابرييل كيس، يظهر في بعض المشاهد، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته 'نساء الجزائر' بمشهد مُعد بطريقة مسرحية. هذا النهج يؤكد رؤية براساي الفنية في بناء عالمه، وليس مجرد توثيقه.

المعرض: نافذة على عالم براساي

يضم معرض 'براساي - العلامات السرية لباريس' أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود، تتوزع بين ثلاثة محاور رئيسية: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة. كان براساي، الذي يُعد أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير، ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تزامن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم.

تُقدم أعمال براساي في هذا المعرض شهادة بصرية فريدة على فترة زمنية حاسمة في تاريخ باريس الفني والثقافي، وتُظهر قدرته الفائقة على التقاط الروح الخفية لمدينة لا تزال تُلهم الملايين. يظل براساي علامة فارقة في تاريخ التصوير، ليس فقط لجمال صوره، بل لعمق فهمه للمدينة التي اختارها موضوعاً لعدسته.

# براساي # تصوير فوتوغرافي # باريس ليلاً # معرض فني # موديرنا ميوزيت # الفن السريالي # تاريخ التصوير # أسرار باريس
اقرأ هذا الخبر