السبت، ١٧ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ / 29 أغسطس 2026 م 02:57 ص بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

دموع في بهشت زهراء: أمهات يودعن قتلى الحرب في طهران

مشاهد مؤثرة من جنازات ضحايا الصراع المستمر تتخللها أحزان الف
استمع للخبر الشرق الأوسط عبد الفتاح يوسف 2026-03-17 10:07 65
دموع في بهشت زهراء: أمهات يودعن قتلى الحرب في طهران

في مشهد يمزج بين الحزن العميق والتحدي الصامت، تتواصل مراسم دفن ضحايا الحرب الدائرة في إيران، حيث تتحول مقبرة بهشت زهراء الشاسعة جنوبي طهران إلى شاهد على مأساة إنسانية تتكشف فصولها يوماً بعد يوم. بينما ينهمك حفارو القبور في تجهيز مدافن جديدة لقتلى الهجمات الأميركية الإسرائيلية، تقف الأمهات الثكالى مودعات أبناءهن الذين خطفتهم نيران الصراع.

كانت مرضية رضائي واحدة من هؤلاء الأمهات، تغرق في دموعها وهي تبكي ابنها عرفان شامي، البالغ من العمر 23 عاماً، الذي لقي حتفه في انفجار بمعسكر تدريب في كرمانشاه غربي إيران في الرابع من مارس. جاء مصرع عرفان قبل أيام قليلة من موعد عودته إلى المنزل في إجازة كان يخطط فيها لترتيبات زفافه. تعانق مرضية صورة كبيرة لابنها، وصوتها يرتجف وهي تستعيد آخر محادثة جمعتهما، حيث ناقشا تفاصيل إجازته وعودته المرتقبة.

قالت مرضية لرويترز، وفي عينيها بحر من الدموع: «لم أره منذ شهرين. كان من المفترض أن يكون آخر يوم له قبل العودة إلى المنزل هو اليوم الاثنين»، وهو اليوم الذي التقت فيه بها الوكالة. لقد تحولت خيمة عرفان في المعسكر إلى كرة من اللهب، وحوّلت جسده إلى كتلة متفحمة حالت دون رؤية والدته له. تتذكر مرضية ابنها بوصفه شخصاً مأمون الجانب، حتى إنه «كان يخاف من الظلام»، مما يزيد من قسوة فقدانها.

مشاهد من مقبرة بهشت زهراء

تحت الأمطار الخفيفة التي تتساقط ببطء، جلست مرضية أمام قبر ابنها في القسم 42 من مقبرة بهشت زهراء، حيث كان العشرات من حفاري القبور منهمكين في تحضير الدفن. يقوم العمال بتجهيز أحجار الرخام الأبيض التي نُقشت عليها أسماء المتوفين، في رمزية مؤلمة لأسماء ستُخلد في ذاكرة الأمة.

وسط مهابة الموت وجلال المشهد، ومع إحضار جثة أخرى للدفن في نعش يحمله الأهل والأقارب، تردد صوت هدير ناتج عن غارة جوية عبر المقبرة، وارتفع دخان رمادي من منطقة مجاورة، مذكراً الحاضرين بأن الحرب لا تزال مستمرة، وأن الموت قد يطرق الأبواب في أي لحظة. امتدت القبور تحت مظلات مزينة بصور الموتى والأعلام الإيرانية، بينما تجمعت العائلات، تبكي وتتحدث، كل منها تحمل قصتها الخاصة من الفقد والألم. بعض النساء يبكين في هدوء، وأخريات يضربن صدورهن بقبضات أيديهن تعبيراً عن حزن لا يوصف.

وقفت شاحنة على مقربة، محملة بالزهور الملونة التي نُثرت فوق القبور، بينما كانت مكبرات الصوت تبث ترانيم الحداد الشيعية، لتضفي على الأجواء صبغة روحانية حزينة. يضم القسم نفسه قبوراً أخرى لرفات أعضاء من «الباسيج»، القوة التطوعية شبه العسكرية التابعة للحرس الثوري، ومسؤولين ومعتقلين من سجن إيفين، الذي استُهدف في الحرب الحالية وفي غارات سابقة.

قصص الفقد والغضب

لم تكن مرضية وحدها من فقدت عزيزاً. فاطمة دربيشي، البالغة من العمر 58 عاماً، فقدت شقيقها البالغ من العمر 44 عاماً في بداية الحرب. كان يحاول إنقاذ أشخاص محاصرين في سيارة تعرضت للقصف، فأصيب بشظايا انفجار آخر أودى بحياته. تقول فاطمة وهي تبكي: «نشأ يتيماً. أنا من ربيته»، لتختزل بكلماتها قصة حياة من العطاء انتهت بمأساة.

بالنسبة لبعض المشيعين، كان الحزن مصحوباً بغضب عارم وتحدٍ واضح تجاه إسرائيل والولايات المتحدة بسبب حملة القصف. رفعت والدة إحسان جانجرافي، البالغ من العمر 25 عاماً، قبضة يدها في الهواء وهي تقول بحماس: «لن يوقفونا، ولن يجبرونا على الرضوخ عندما يحرقون قلوبنا». هذه الكلمات تعكس روح المقاومة التي تتولد من رحم الألم، وتؤكد أن الفقد لا يولد اليأس دائماً، بل قد يوقد شعلة التحدي.

يقول مسؤولون إيرانيون إن الحرب، التي اندلعت في 28 فبراير بسلسلة من الغارات الجوية على طهران ومدن أخرى وأغرقت الشرق الأوسط في أزمة، أودت بحياة أكثر من 1300 إيراني حتى الآن. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي قصص لأشخاص مثل عرفان وشقيق فاطمة، قُطعت آمالهم وأحلامهم، تاركين وراءهم عائلات تعاني من جراح لا تندمل، وتواجه المستقبل بمزيج من الحزن العميق والغضب المتأجج.

# جنازات طهران، قتلى الحرب إيران، مقبرة بهشت زهراء، هجوم أميركي إسرائيلي، أمهات ثكالى، صراع الشرق الأوسط، عرفان شامي، حزن عائلي
اقرأ هذا الخبر