الاثنين، ١٢ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ / 24 أغسطس 2026 م 04:04 ص بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

زراعة الغذاء المستقبلي في الفضاء تتطلب الاستفادة من النفايات البشرية

بحث علمي يكشف عن إمكانيات إعادة تدوير المخلفات البشرية لتخصي
استمع للخبر رياضة عبد الفتاح يوسف 2026-03-02 09:05 19
زراعة الغذاء المستقبلي في الفضاء تتطلب الاستفادة من النفايات البشرية

الولايات المتحدة - وكالة أنباء إخباري

مستقبل الزراعة خارج الأرض: النفايات البشرية كمورد أساسي

مع تزايد طموحات البشرية لاستكشاف واستيطان الكواكب الأخرى، يبرز تحدٍ جوهري يتمثل في كيفية تأمين مصادر غذاء مستدامة وطويلة الأمد. فالبيئات القاسية على سطح القمر والمريخ، التي تتميز بتربة غير مضيافة، وإشعاعات عالية، وغلاف جوي رقيق أو معدوم، تشكل عقبات كبرى أمام الزراعة التقليدية. في هذا السياق، تتجه الأنظار نحو حلول مبتكرة وغير تقليدية، أبرزها الاستفادة من النفايات البشرية كمصدر حيوي للعناصر الغذائية اللازمة لنمو النباتات.

لطالما استلهم العلماء من الخيال العلمي، ومن أبرز الأمثلة فيلم "المريخي" (The Martian)، حيث تم تصوير رائد فضاء وهو ينجح في زراعة البطاطس باستخدام مياه الصرف الصحي الخاصة به. لم يبق هذا التصور مجرد حبكة سينمائية، بل تحول إلى محور لدراسات علمية جادة. فقد أجرت مراكز بحثية مرموقة مثل المركز الدولي للبطاطس ووكالة ناسا تجارب أثبتت إمكانية استخدام المخلفات البشرية في دعم نمو النباتات.

في الآونة الأخيرة، قاد فريق بحثي بقيادة هاريسون كوكير من جامعة تكساس إيه آند إم، بالتعاون مع علماء في وكالة ناسا، دراسة متعمقة حول تفاعل منتجات الصرف الصحي المعاد تدويرها مع تربة محاكاة للقمر والمريخ (الريغولث). تركز هذه الأبحاث على أنظمة دعم الحياة المتجددة بيولوجيًا (BLiSS)، وهي تقنيات تستخدم مفاعلات بيولوجية وفلاتر لتحويل النفايات البشرية إلى محلول غني بالمغذيات الأساسية للنباتات. هذه الجهود لها آثار مباشرة على مستقبل المستوطنات البشرية في الفضاء، حيث يمكن للمستعمرين توفير المواد الخام اللازمة لهذه العملية بسهولة.

مع اقتراب مهمات "أرتميس" إلى القمر، تكتسب مسألة إنتاج الغذاء أهمية قصوى لتأمين استمرارية وجود الإنسان على المدى الطويل. "في المستوطنات القمرية والمريخية، ستكون النفايات العضوية مفتاحًا لتوليد تربة صحية ومنتجة"، كما صرح كوكير، المؤلف الرئيسي لدراسة حول هذه الأنظمة. وأضاف: "من خلال معالجة التربة المحاكاة للقمر والمريخ بتيارات النفايات العضوية، تبين أن العديد من العناصر الغذائية النباتية الأساسية يمكن استخلاصها من معادن السطح".

تتطلب النباتات على الأرض مجموعة معقدة من المغذيات لتنمو بازدهار. فالذرة تحتاج إلى كميات كبيرة من النيتروجين، والبازلاء تفضل البوتاسيوم والفوسفور، بينما تحتاج البطاطس إلى كليهما. وبالطبع، فإن الماء ضروري لجميع أشكال الحياة النباتية. واجه الباحثون تحديًا في كيفية "إثراء" تربة القمر والمريخ، التي تتميز بخصائص غير مواتية. فالتربة على هذين الكوكبين مشعة، وتربة المريخ غنية بالكبريت وأكسيد الحديد وثاني أكسيد السيليكون والمغنيسيوم، كما أنها تحتوي على مستويات عالية من مركبات البيركلورات السامة.

سيحتاج المستوطنون الأوائل إلى جلب إمداداتهم الغذائية وأنظمة الصرف الصحي الخاصة بهم، ومن ثم العمل على جعل التربة المحلية صالحة للزراعة. هذه عملية ستتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين، بالإضافة إلى المشاريع الأخرى مثل الاستكشاف وبناء الموائل. على الرغم من إمكانية الاعتماد على الزراعة المائية (Hydroponics) كوسيط للنمو، إلا أن هذه الأنظمة تتطلب كميات كبيرة من المياه ومستويات عالية من المغذيات لإنتاج الغذاء بكميات كبيرة. في حين أن الإمدادات يمكن إرسالها من الأرض إلى القمر، إلا أن ذلك سيكون مكلفًا ويستغرق وقتًا طويلاً، مما يجعل الاعتماد على الغذاء المحلي ضرورة حتمية على المدى الطويل.

تُظهر الأبحاث المبكرة نتائج واعدة. فقد كشفت دراسة أجرتها ناسا في عام 1992 عن نجاح زراعة البطاطس من نوع "نورلاند" في بيئة محاكاة. وفي الدراسة الحديثة بقيادة كوكير وفريق ناسا، تم خلط مخرجات أنظمة BLiSS مع التربة المحاكاة للقمر والمريخ. وبعد تخزين الخليط لمدة 24 ساعة، لوحظ أن هذه المخرجات نجحت في "معالجة" التربة وتوفير محلول غني بالعناصر الغذائية الأساسية مثل الكبريت والكالسيوم والمغنيسيوم والمعادن الأخرى. كما كشفت الفحوصات المجهرية عن تآكل في جزيئات التربة المحاكاة، مما جعلها أقل حدة وأكثر شبهاً بالتربة الأرضية.

على الرغم من هذه النتائج المشجعة، لا تزال هناك خطوات تالية حاسمة، بما في ذلك اختبار هذه التقنيات على تربة القمر والمريخ الفعلية، والتي قد تختلف عن التربة المحاكاة. ومع ذلك، تمثل هذه الأبحاث بداية قوية وتوفر رؤى حاسمة لعملية ستكون ضرورية لدعم المستعمرات البشرية في الفضاء. قد لا يمر وقت طويل قبل أن يستمتع سكان القمر بالخضروات المزروعة محليًا، ويقوم مستوطنو المريخ بزراعة محاصيلهم الخاصة، كل ذلك بفضل الاستفادة المبتكرة من نفاياتهم.

# الغذاء في الفضاء # زراعة القمر # زراعة المريخ # إعادة تدوير النفايات البشرية # استيطان الفضاء # أنظمة دعم الحياة المتجددة # ناسا # أرتميس
اقرأ هذا الخبر